الأحد، 25 أغسطس، 2013

جراج مؤقت



رفع حسين باب دكانه للنصف فقط ، دخل الضوء ليكشف عن حوائط مطلية بالألوان والأدعية والآيات بمختلف أنواع الخطوط ، أحنى ظهره ليدخل بعد إفطاره على عربة الفول التي تحتل ناصية الشارع الشعبي العتيق ، جلس على الكرسي وفي يده كوب شاي جلبه من المقهى المجاور وسيجارة محلية رخيصة وبدأ روتينه اليومي بمراقبة أرجل العابرين يمينًا ويسارًا دون أن يروه.
 تعيد البلدية بناء رصيف المشاه بعد تكسيره لإصلاح كابلات الكهرباء الأسبوع الماضي مما جعل الشارع في حالة يرثى لها ، يقفز رجل ببدلة أنيقة كانت نظيفه وحذاء يصعب تحديد لونه من فرط الأتربة ، وهذه فتاة ترفع طرف ثوبها لكيلا يتسخ كاشفًا عن ساقين بديعتين ، وهذا مسن لا يقوى على رفع قدمه عن الأرض ، هب حسين واقفًا وإلتقط لوحة خشبية قديمة ورفع الباب خارجًا ووضع القطعة الخشبية فوق الحفرة أمام أقدام الرجل المسن موجهًا له الحديث.
"ثانية واحدة يا عم عبد الحق ... تقدر دلوقتي تعدّي"


الجميع يعرف عم عبد الحق ، إنه المسن الروتيني الذي يخرج يوميًا في الصباح ليشتري الخبز والفول وبعض الخضراوات و الجريدة ثم يعود بإستثناء اليوم الشهري الأسود الذي يقبض فيه معاشه الضئيل. 

القهوجي : خلصت كباية الشاي يا حسين.
حسين : آه يا رضا خدها ، عمك عبد الحق هيعمل ايه بعد كده؟!
القهوجي : إشمعنى؟!
حسين : أنت مشفتش أول الشارع؟! الرصيف اللي هيعملوه بتاع نص متر. هيطلعه إزاي ده؟!

القهوجي : آه صح .. أنت مشفتوش وهو بيركب التوكتوك مع مختار يوم القبض.
الواد مسكه وحط رجله الأولانية في التوكتوك وهو بيحط الرجل التانية كان هيتقلب من الناحية اللي هناك.
حسين : بتضحك على إيه يا عديم الدم؟!

القهوجي : خلاص يا عم هات الكباية ، نروح نشوف أكل عيشنا بدل ما نتشتم.

عاد حسين للداخل ، فتح الراديو ، فرد القماش على المنضدة الخشبية ، جهز الألوان وأمسك فرشاته ليبدأ في كتابة "حياة أحسن" شعار أحد المرشحين للإنتخابات القادمة ، شعر بإمتعاض وهو يكتبها لأول مرة بسبب الشعار الكاذب المستفز. أي حياة؟!
"اللعنة عليكي أيتها الحياة التي أضطر فيها لأكون اللسان الكاذب لمحتال يسرقني مقابل بعض القروش؟! حياتك الأحسن أم حياتنا ، أو حيوات أخرى في أراض أخرى كشف أهلها أمثالك ، ولم ينحنوا لقروش تلقيها بل إقتسموا معك جنيهات في يدك. أي حياة؟! أنا عاجز عن إتمام ذلك الهراء."
جلس حسين بائسًا يتابع المارة في الطريق ثانية حتى مر أمامه عم عبد الحق ثانية لكن مستندًا إلى شاب ويبدو عليه الإنهاك.
حسين: خير؟ فيه إيه؟
الشاب: وقع في الشارع.
حسين: طب هاته يقعد هنا.

- يا عم عبد الحق أبوس إيدك إدي أي حد يشتريلك الحاجة ، عايز إيه وأنا أجيبهولك؟
عبد الحق: كتر خيرك يا ابني بس مينفعش ، اللي يستحمل يوم ميستحملش يومين وأنا مش عايز أتقل عليك.
حسين: حقك علينا يا عم عبد الحق.
- يا رضا كباية ليمون بسرعة لعمك عبد الحق.
عبد الحق: لا مالوش داعي هطلع أريح في البيت أحسن .. شكرًا.
حسين: اللي تشوفه يا عم عبد الحق.

رضا: الليمون.
حسين: خلاص الراجل مشى ، الراجل وقع يا سي خره عشان تعرف تضحك كويس.
رضا: لا حول ولا قوة إلا بالله.

حسين: أنا اللي مجنني هيعمل إيه بس بعد ما الرصيف يتعمل؟
رضا: ممكن ينزل من مطلع الجراج اللي في آخر الشارع.
حسين: دي مسافة كبيرة يا ابني عليه.
رضا: أحسن من مفيش.
حسين: هم هيخلصوا الرصيف انهاردة?
رضا: آه.
حسين: طب هاتلي السلم من عندك.
ثبت حسين السلم أمام دكانه وصعد عليه ليبدأ في خلع اللافتة المكتوب عليها "خطاط الحسين" وسط تعجب رواد المكان الدائمين الذين وقفوا يتابعون الموقف ، ثُبتت تلك اللوحة قبل أعوام فخلعها عسير ، نظر حسين عن يمينه ليرى العمال يقتربون فصار يكسرها كسرًا ويلقيها على الأرض ، ثم أغلق دكانه بعد أن أخذ الفرشاة واللون وبدأ يكتب على الباب ، وعندما بدأ العمال في الرصيف أمام دكانه قال لهم "أعملولي هنا مطلع ... مش شايفين مكتوب جراج ممنوع الوقوف عالباب؟!"

لينك صاحب الصورة