الجمعة، 22 فبراير 2013

معضلة إعمال العقل

 
كتب تشيخوف عن رجل يستدرج ابن عشيقته في الحديث ليعرف انها لازالت على اتصال بأبيه رجلها السابق ، وبعد أن يعد الطفل بالكتمان ينفجر في أمه صارخًا بمجرد أن كشف عنها باب المنزل وينتقل الكاتب الى الطفل الذي إنزوى في ركنٍ باكيًا ، فقد عرف الخيانة لأول مرة!

أذكر صدمتي أنا أيضًا عندما هُمس في أذني للمرة الأولى إجابة عن السؤال الجهنمي " كيف يأتي الأطفال؟" مررت أولاً بحالة من الرفض والتكذيب ولما طاردني السؤال بدأت في البحث وتنويع المصادر خاصة خارج دائرة أقراني بخيالاتهم الجامحة حتى دحضت نظرتي المثالية في النهاية وتصالحت مع الحقيقة الجديدة.

إذا أعدت قراءة الفقرة السابقة ستلاحظ إدراج ثلاث خطوات لتغيير أي عقيدة فكرية أو بالأحرى ثلاث محطات يتجمع عندها البشر ، وهي صالحة لمدى واسع من الأفكار وعلى رأسها فكرة الوجود وطبيعته والخالق وماهيته وهواللغز الأكبر في تاريخ البشرية جمعاء.
@
المرحلة الأولى هي الإنكار والتكذيب ، فهو لا يحتمل مجرد التفكير فيما يخالف ما فُطم عليه ، شديد الهشاشة من الداخل وشديد العنف من الخارج ليحمي ضعفه لدرجة تغلب الفطرة الإنسانية ، يعاني أسوأ انواع الجهل وهو جهل الخوف من المعرفة ، يمثله جميع السلفيين من حملة الأسم المعاصرين حتى أبي جهل وقيافا.

المرحلة الثانية يتوقف فيها المفكر قبل أن يصل لنتيجة يخشاها ، فيبدأ بتطويع بحثه وتفكيره لخدمة ما ينحاز له وهو نموذج أقرب للتسامح منه للتشدد ، يميل لتعظيم أي دلائل عن الأفكار التي ينحاز إليها ويبالغ في نشرها على حساباته على الشبكات الإجتماعية ، ولوقوفه على ركائز غير ثابته هو مرشح للإنقلاب في أي لحظة يجمع فيها شتات ثقته بنفسه وبعض التمرد.

وأخيرًا المرحلة الثالثة ، الباحثون بلا إنحياز ، المجددون أفكارهم  ، متمردون ، أكثر نشاطًا وتأثيرًا بطبيعتهم ، قلة منهم وكثرة من النوع الثاني يحركون مجتمعًا ، يصنعون ثورة فكرية. كثرة منهم لا تصنع مجتمعًا متماسكًا لذا فقد كتب عليهم الإغتراب والندرة والمعاناة في مراحل تصالحهم مع الحقيقة ، والتي تتصاعد سلمًا من التحديات للمجتمع الذي إرتضى حالة الرفض أو التطويع ، من درجة نقل الإعتقاد من السر إلى العلن وخاصة لدائرة الأسرة والأقرباء لأنهم يمثلون أحد النوعين السابقين في الغالب ومن ثم تبدأ مرحلة الصراعات التي تنتهي بالاستقلال المادي والنفسي ، ومنها تبدأ درجة أخرى وهي التطبيق العملي للأفكار المعتنقة والتي يرفضها المجتمع سواء بالعرف أو بالقانون.
وبصعوده تلك الدرجات يصبح أكثر قوة وصلابة من أقرانه في الطوائف الأخرى ، ويتحول إلى أب روحي للباحثين عن إرشاد من سار في الطريق ذاته مسبقًا لتنشر أسلوب الحياة الجديد وهي الدرجة التالية ويكون ذلك التجمع هو نواة تغير المجتمع فيما بعد.

وحتى يتغير المجتمع يظلون هم الضحايا ، هم قرابين الفكرة ، هم المقذوفون بالتهم الباطلة ، الشيطان الأعظم ، وإذا انتصرت الفكرة زينت أسماؤهم اللوحات الرخامية في الميدان التي يأخذ أصحاب النوعين الأولين الجدد وضعهم تحتها ليلتقطوا صورة. 

الرأس و مونما - نفَس



الثلاثاء، 29 يناير 2013

حوار


دخل الضوء مع الباب المفتوح كأنما يشق ستار ظلام الشقة لأول مرة كاشفًا عن تفاصيلها للزائر رويدًا رويدًا.
كانت عيناه تتفحص كل شيء في شقة رفيقه ، المطبخ على اليمين متكدسة فيه أطباق قذرة طال انتظارها لتُغسل وثلاجة صغيرة يشي فقر هيئتها بفقر ما تخفيه خلف بابها ، منضده يحيطها مقعدان على اليسار ومن خلفها منضدة أخرى يعلوها ساعة ويجاورها شرفة ويزاحم الحاسب الشخصي عليها طابور من الأكواب و زجاجات البيرة و أعقاب السجائر ، وأنضم الصديق صاحب الشقة للمشهد خلف الحاسب تحت سحابة دخان مصدرها سيجارتة ومنتهاها السقف المتهالك.

* هات الفلاشة ويادوب الحق احطلك الحاجة قبل ما شحن اللاب يخلص.
- انتوا النور بيقطع عنكوا كتير هنا.
* وفترات طويلة كمان.
- يادي الفقر. ايه التراب اللي عالشاشة ده كله؟ مش بتنضفه ليه؟
*عشان لو نضفته هيملاها تاني.
- امال بتاكل ليه؟ .. ما انت هتجوع تاني.
*عشان احساس الجوع مؤلم .. مش أكتر.
- والقبح مش مؤلم؟
* مش لأمثالنا.
- أتكلم عن نفسك.
*نفسي مين يا جربان أنت ، يعني وتكة زي اللي في الوول بيبر دي عمرك هتشوفها في حياتك؟ مستكتر تشوفها متربة؟!
- ما هو عشان كده لازم نحاول نجمّل على قد ما نقدر يا وسخ.
- (ممرًا اصبعه على الشاشة) بص التراب اللي طلع في صباعي قد ايه.
* ايه اللي انت عملته ده بدين أمك؟ لما تنضف حتة بتضاعف إحساسك بوساخة الباقي.
- على الله تحس على دم أمك وتبدأ تنضف.
* عمري ما هنضف الشاشة من التراب إلا لو الشارع نضف من التراب.
- ما هو مش بينضف لوحده. فكر ازاي تنضفه؟
* مثالية عبيطة زي ونيس و أولاده كده؟
- أيه المانع؟
* أفترض همشي ورا كلامك وهنضف شارعي.
- ها؟؟
* تاني يوم هيتملى تراب برضه من الشوارع اللي جنبة.
- لا. دي علوقية ناشفه.
* لا وأنت الصادق واقعية جافه ، محدش بينضف الرف التحتاني قبل الفوقاني يا بأف.
- البأف هو اللي مش بينضف التحتاني عشان مكسل يجيب سلم ينضف الفوقاني قبله.
* السلم مش من ضمن إمكانياتي.
- بس من امكانيات الشارع لما يتعاون.
* هيتعاون إزاي ، ده نصهم بيهرب من تذاكر المواصلات.
- الروح العامة والنتايج المبهرة هتجبره يشترك.
* الروح العامة إحباط عام.
- ما هو عشان كده الناس هتتعلق في اي روح عالية تنتشلها.
* أما روح عالية تيجي بقى.
- وأنت؟
* مينفعنيش.
- ليه؟
* عشان هينضفه مرة واحدة ، مش نظام دايم ، بعده الشاشة هتتملي تراب تاني.
- يا دين أمي!

وفجأة إنطفأ الحاسب معلنا انتهاء مهلة بطاريته.
- شفت الفلسفة الفارغة ضيعت الوقت.
* الفلسفة بتملى فراغ الوقت.

السبت، 29 ديسمبر 2012

هنري كورييل


ولد في 13 سبتمبر 1914 في القاهرة لأسرة إيطالية يهودية ثرية ، وعلى عكس باقي عائلته اختار الجنسية المصرية عندما خير بين الجنسيتين عام 1935 ،  مؤسس حركة حدتو (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) ، ووالد الصحفي الفرنسي الشهير آلان جريش مدير تحرير جريدة لوموند دبلوماتيك.

بدأ حياته في النضال ضد الاحتلال الانجليزي و احلال قيم العدالة الاجتماعية مما عرضه لمضايقات من سلطة الاحتلال والحكومة المصرية وقبض عليه للمرة الأولى بعد حرب 1948 في معسكرات الاعتقال بالهايكستب ضمن الكثير من الأجانب والنشطاء السياسيين.
قبض عليه ثانية وتم ترحيله في قمرة مغلقة بسفينة إيطالية متجهة لجنوة عام 1950 رغم انه كان يتمتع بالجنسية المصرية ومنها ذهب الى فرنسا ليؤسس مع زملائه من المرحَّلين مجموعة "روما" كفرع لحدتو والحزب الشيوعي المصري فيما بعد بباريس وظل طيلة حياته يجمع التبرعات ويجتهد لتوفير الدعم السياسي لمصر وخاصة بعد النكسة برغم الجفاء والتخوين الذي كان يواجه به.

قبل 20 يوما من الغزو الانجليزي الفرنسي لمصر أرسل نسخة من خطة الهجوم للملحق الصحفي المصري بباريس لكن لم يعرها عبد الناصر إهتمام فطلب بعدها ثروت عكاشة الملحق العسكري المصري في ذلك الوقت من عبد الناصر إعادة الجنسية المصرية له لكنه رفض.

كورييل معتقلا في فرنسا

حاول التقريب في محاولات عديدة بين داعمي السلام في إسرائيل ومصر للحوار على أرضية الإنسحاب حتى حدود 1967 ( قرار مجلس الأمن الذي لم ينفذ حتى الآن) لكنه كان يواجه بالرفض من صانعي القرار في الجانبين.

ساند كورييل حركات التحرر في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وعمل مع منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الجنوب أفريقي المناهض للنظام العنصري، وأفادهم بالكثير من خبراته بالعمل السري الذي بدأه في مصر ، و قبض عليه في باريس لمساندته جبهة دعم الثورة الجزائرية عام 1960 ومرة أخرى عام 1962 بعد توقيع اتفاقية الإستقلال لدولة الجزائر التي أهداها منزل عائلته بحي الزمالك فيما بعد ليكون مقرًا لسفارتها حتى الآن.

هنا يرقد كورييل
قتل كورييل أثناء خروجه من منزله في 4 مايو 1978 وكانت إتهامات التحريض تقع بين فرنسا واسرائيل والنظام العنصري بجنوب أفريقيا ولم يتم التعرف على قاتليه حتى الآن ، وأحتفل كل من عرف كورييل باتفاقية أوسلو عام 1993 ليس لأنها جاءت إمتدادًا لجهوده فقط بل لأنها جاءت يوم ميلاده أيضًا.

الخميس، 29 نوفمبر 2012

Paris .. Je t'aime


 أغلقت الباب ، أطفأت الأنوار ، بحثت عن الموسيقى الهادئة ، مِلت في بحثي لإيقاعات الفالس وصوت الأكورديون ، فتحت النافذة لتدخل البرودة إلى جسدي المضطرب وجلست محتضنًا كوبًا من الكاكاو الساخن.
أظنني الآن قرب حالة صناع فيلم "باريس .. أحبك" وأستطيع الكتابة عنه ، لاسيما أنه من نوعية الأفلام الذي يغافلك برسم إبتسامة عفوية على وجهك طول مدة مشاهدته.
  
يدور الفيلم حول الموضوع الأهم على الإطلاق .. الحب ، وتدور أحداث قصصه الثمانية عشرة في عاصمته باريس. كلٌ من الصناع له في الحب نظرة عرضها وتبارى الجميع في حب مدينة الحب وأحيائها التي توزعت عليها الأحداث وشاركتها الأفلام في أسمائها.

وهنا أعرض أفلامي الخمس المفضلين.
 
 
Bastille - Isabel Coixet
وردت على لسان الراوي الجملة الأجمل في هذا الفيلم "من التظاهر بالمحب صار غارقا في الحب" ، إنتقلت الأحداث بالزوج  الشاعر بفتور علاقته مع زوجته التي تفاجئه بمرضها باللوكيميا قبل أن يفاجئها بخبر الإنفصال ، فيتظاهر بحبها ويحاول إسعادها بقدر إمكانه  ، وعندما تموت يكتشف أنه فقد حبيبة أحبها مرتين وفقدها للأبد.
أسلوب الإخراج بديع يحمل وصفًا روائيا بإمتياز ، بالإضافه لأن ميدان الباستيل الذي دارت به الأحداث من أماكني المفضله.

 
 
Tour Eiffel - Sylvian Chomet
مخرج هذا الفيلم في الأصل مخرجًا لأفلام الكارتون ، ما جعله يقدم صورة شديدة الجاذبية ومغرقة في الخيال ، سحرني في بدايته بمشهد الطفل بحقيبته الضخمه التي توازي عبئه النفسي لأن الأطفال يضربونه ثم يروي قصة أبويه المهرجين وكيف إلتقيا وتحابا وبقيت مسحورًا لنهايته وأعدته مرتين ثم نمت سعيدًا.
 
 

14e Arrondissement - Alexander Payne
الوحدة والإستئناس بالمدينة ، مختصر الحالة البديعة التي خلقها هذا الفيلم ، هي أمريكية  تجاوزت الأربعين ، تتحدث فرنسية ضعيفة  لتعتاد إستخدامها ، تحب باريس وتود أن تكمل فيها حياتها مغالبة لتأخذ الطابع الفرنسي غلافًا لها.
حوار الفيلم بالكامل يصلح للإقتباس .. يُدرَّس ، ينتقل بك من حوار كالدائر في مركز لدراسة اللغة الفرنسية لحديث مع صديق حميم.
وأظنني أحببت هذا الفيلم لأني مررت بتجربة مشابهة ، متسكع وحيد وسط زحام باريس الساحر.
 
 

Place de Victoires - Nobuhiro Suwa
جولييت بينوش! ربما تكون السبب في دخول هذا الفيلم لقائمتي رغم كونه تقليديا بعض الشيء ، وهذا ما كنت أحاول إجتنابه ، لكن جولييت "قطّعت قلبي" وبعدها أعطتني أملًا جديدًا ، أشعرتني بتوحد معها وهي الأم التي فقدت طفلها ، وشعرت بالتوحد أيضًا مع زوجها رغبة في التخفيف عنها ، حتى الإرتياح السعيد بعد أن هدأت خيالاتها من روعها.
 
 
 
Faubourg Saint Denis - Tom Tykwer
فكرة هذا الفيلم طالما أختبرتها وهي بناء إستنتاجات كاملة على فهم خاطيء لأحداث معينة ، يستعيد الشاب الكفيف تاريخه مع فتاته بعدما سمع منها ما أحزنه وإكتفى واضعًا السماعة ، أدار الماضي السعيد والمستقبل البائس بخلده في الثواني التي تعيد فيها الإتصال به لتأخذ رأيه في آدائها لجملتها في فيلمها القادم .. فهي ممثلة.


ويجدر الإشارة


 Parc Monceau - Alfonso Cuaron
 أحببت خدعته ، وهي من الطرق المفضلة لي أيضًا ، هو حوار دائر بين رجل وإمرأة ويتناول رجلًا ثالثًا يقيدها مصعبًا عليها حياتها ، وفجأة تكتشف إنه أب وإبنته وهذا الرجل الثالث هو رضيعها الذي يقيد حياتها والأب ذاهب ليرعى حفيده لإنشغال إبنته.


Quais De Seine - Gurinder Chadha
بإعتباري عربيًا أعيش في مجتمع إسلامي يجدر بي الإشارة لهذا الفيلم. يتناول هذا الفيلم قصة حب ناشئة بين مراهق أوربي ومحجبة مسلمة من أصل عربي ، ويتيح لها حوارها إبداء وجهة النظر الإسلامية من الحجاب ويتضامن الفيلم معها.
وإذا بحثت عن المخرجة وهذا حتمي فهي هندية من طائفة السيخ ، وهي صاحبة فيلم (Bend It Like Beckaham)
وهذا هو الفرق بين المجتمعات الناجحة والفاشلة.

أثار هذا الفيلم غيرة الأمريكيين فقدموا New York .. I Love You

وأثار هذا الفيلم غيرتي أنا أيضًا فحاولت إيجاد سحر القاهرة الذي يتحدثون عنه فلم أجد إلا ضوءًا خجلًا كما تراه في نهاية النفق المظلم ، بكل ما إكتسبت القاهرة من إمكانيات في إفساد أي متعة وحولت وجوه ساكنيها لمسوخ مكفهرة ، ويطرح السؤال الذي هو بيت القصيد ... متـــــى؟؟!



الخميس، 15 نوفمبر 2012

المحنة


منذ عام بالتمام تعرضت للتجربة الأسوأ في حياتي.
أدعي ان كل مجند لن ينسى يوم ترحيله أبدا مهما قطع في الحياة أشواطًا. 
لن أسهب في الحديث عن التفاصيل لكني لا أعرف كيف ينبغي أن أذكر يوم الترحيل.
الشيء الأسوأ فيه شعور المهانة اللا محدود ، كالصندوق الذي يُضع ، ثم يُنظّم ، ثم يُعد ، فيسلّم لمستحقه. أظنه ليس ببعيد عن شعور عبيد العصور السالفة ، حياة قاسية بتفاصيلها ودعاباتها السافلة التي تناسبها ، التي تظهر كمحاولات تنقية الماء العكر.
منذ عام بالتمام في التاسعة صباحًا تركت سريري ولم أستلم سريري البديل الا في الثانية من صباح اليوم الثالث.
لعن الله الحرب ، والمتحاربين ، ومسببي الحروب.


لكن الحياة تستمر ، ولدى الإنسان دومًا مخزون من القوة يستعمله عند الحاجة ، ومثل كل المحن يكتسب المرء منها ما يعوضه عنها ويعوضه ما يشكو منه العدالة الإلهية.


Itzer Perlman - Love Theme of Ennio Morricone  (Cinema Paradiso soundtrack
)

الجمعة، 9 نوفمبر 2012

وديد



في تمام التاسعة صباحًا مر سنا الشمس من الشق الضيق الذي أحدثه إرتفاع العمارات الشاهقة ليخترق زجاج غرفة نوم آخر بيوت الشارع القديمة ، ويضيء وجه وديد شحاتة النائم في سريره النحاسي ، فيستيقظ محدثًا صوت الازيز الذي يقلق كل من لم يعتد السرائر النحاسية على ثباته ويزيح الناموسية ، يرتب السرير والأغطية ويضع الوسادة في الوسط ، يرتدي الروب دي شامبر ، يدير قرص الراديو الخشبي بحثا ... " أعزائي عشاق الموسيقى الكلاسيكية نقدم لكم كونشرتو الفيولينة لسيبستيان باخ على سلم مي الكبير .... " ، يحكم اغلاق النافذة خشية ان يختلط صوت المنزل بصوت الخارج ، يدخل الى الحمام ويتحسس ذقنه ، يكسر الموس لشطرين ويضع احدهم على المرآة والآخر في ماكينة الحلاقة ، ويحلق ، يصل للمطبخ يمسك بعلبة السردين المكتوب عليها سهلة الفتح فيقلبها ويدير قرص الفتاحة بعد أن ثبتها ، يأكل ، يتفنن في صناعة قهوته ، تقاطعه طرقات الباب.



الطارق: جاهز يا أستاذ وديد.
وديد: خمس دقايق يا حاج ، اتفضل اقعد.


تابع الطارق وديد بمزيج من التعجب والاشفاق عندما دخل ليغسل الاطباق والأكواب ، حتى بعدما ارتدي بدلته وأخذ مفتاح شقته من على الشماعة بجانب الباب لكن بلغ العجب أقصاه عندما عاد الى الداخل بعد أن كاد يخرج لينقذ اللوحة من ميل بسيط لاحظه.


وديد: اللوحة دي والدي إشتراها من باريس أيام البعثة بميت فرنك.
الطارق: متاخدها معاك.
وديد: لا. أنا سبق وقلتلك شروطي.
الطارق: إطفي الراديو طيب.
وديد: لا سيبه.


كان الشارع متأهبًا لحدث ، تناثرت المعدات والعمال حول البيت كالسياج وحوله سياج آخر من المارة ظل يبحث منه محصل الكهرباء عن ثغرة يتابع منها ويسأل القهوجي الذي وجده بجانبه عما يحدث.


القهوجي: الاستاذ وديد آخر واحد ساب البيت ، بقالهم 5 سنين بيتحايلوا عليه وكان رافض وموافقش الا لما البيت بقى خطر ومعاهوش فلوس ينكسه ، بس الحاج صاحب الارض عرض عليه شقة في العمارة اللي قدامها .. راجل محترم.
المحصل: هو اللي لابس بدله ده؟
القهوجي: أيوة هو ده ، كان المفروض البيت يتهد امبارح بس طلب انه يبات فيه آخر ليلة ، وأصر انه مياخدش العفش من البيت ويسيبه يتهد بيه.
المحصل: حرام .... هو اتجنن ، امال هيفرش الشقة التانية ازاي؟!
القهوجي: لا مش مجنون ، جايز يكون عايز يمحي أي ذكرى انه فرط في البيت ، أو بيعاقب نفسه إنه باعه ، أصله حاسس بالذنب ناحية جده وأبوه ، بس هي الدنيا كدة.


طعنت معدات الهدم متن البيت فسقط على الفور ، ومعه خرج هواء كان وديد قد حبسه في رئتيه ، وإستدار تاركًا المتابعين ومنتظري المكافآت بين الأنقاض لبيعها وصعد الى شقته الجديدة في العمارة المقابلة التي حجبت عنه ضوء الشمس قبل ساعتين. 

Yann Tiersen - J'y suis jamais alle (Amelie soundtrack)

الجمعة، 14 سبتمبر 2012

شخرة سينمائية


السينما من اول ما ظهرت فيها تجسيد للواقع مهما كان هدفها ، نيجي بقى للسؤال اللولبي هل مفروض ان السينما تجسد الواقع بكل تفاصيله؟ واللا تحافظ على حد ادنى من مراعاة قواعد دينية أو مجتمعية يفرضها أوصياء؟ واللا نسمح بكل حاجة ونشدد على سن اللي بيدخل؟
المجتمع بيتطور ولسانة بيطول مع الوقت وذوقه بينحط ، يكفي الضجة الرهيبة اللي حصلت على فاتن حمامة لما نطقت "يا ولاد الكلب" في افواه وارانب بتاع هنري بركات سنة 1977 لحد ما وصلنا ان اي حد بقى بيزعل بيقول يا ولاد الكلب!

 الشخرة من أساليب الاحتجاج المصرية القحة ، لو مكنتش بتشخر ليك واحد صاحبك بيشخر ، ولو كنت محافظ على الوسط بتاعك هتسمعها غصب عنك في الشارع.

اول واحد اتحدى الاعراف الضيقة في الشخرة كان يوسف شاهين في افلام اسكندرية ليه بمناخير عزت العلايلي سنة 1978 وبعدين نور الشريف في حدوتة مصرية 1982 وبعدين يوسف شاهين نفسه في اسكندرية كمان وكمان سنة 1990




واخر مرة سمعت الشخرة فيها بعد يوسف شاهين كانت من كريم قاسم في فيلم اوقات فراغ 2006 هتلاقوها في الدقيقة 16


وده ولا بحث ولا بتاع دي مجرد ملاحظة كتبتها في وقت زهق