الجمعة، 7 يوليو 2023

متى نكف عن وخز أعيننا؟!

 

يحكي التراث القبطي عن حادثة نقل جبل المقطم التي كان بطلها إسكافياً (صانع أحذية) فقيراً يُروى عنه انه قبل تلك الأحداث قد قلع عينه بالمخراز لما إشتهى إمرأة عملاً بوصية المسيح في الموعظة على الجبل حين قال "فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ".
 ولا تكاد تخلو رواية عن القديس سمعان الخراز من نقدٍ له لقلع عينه عملا حرفيًا بالوصية التي كان ينبغي فهم رمزيتها ، وهو - حسب مقصد المنتقدين - ما عجز عنه إسكافيًا فقيرًا عاش في القرن العاشر للميلاد.

والقاريء لسيرة يسوع يلاحظ بوضوح نقده الدائم للكهنة والكتبة والفريسيين وكل من يعمل الوصايا بشكل حرفي دون أن ينفذ المعنى الرمزي الى قلبه ، وينتقد حتى تلاميذه عندما لا يفهمون المعنى الرمزي المقصود من وراء التعليم الذي كان يبشر به ، الذي يصل الى حد الكمال ، بل قال يسوع صراحة في نفس الموعظة  "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِل".
والحديث عن الكمال له أهمية خاصة ، لأن الإنسان لديه شعور عميق بنقصه ونسب الكمال الى كيان أكبر منه ينسب له الوجود وما حوله وكل ما عجز العقل القاصر عن فهم أسبابه ، وظلت البشرية في بحث دائم عن الله الخالق الكامل ، حتى ان ديكارت قد إعتبر بحث الإنسان الدائم عن الكمال وإدراكه لنقصه في هو دليل على وجود الله حقًا ، وان وجوده مزروع في إدراك البشرية منذ القديم. إذًا لعل المقصود من تعليم يسوع هو أنا نسعى دائمًا نحو الكمال ونعترف بنقصنا وفسادنا ونعترف بصلاح الله ، ونجتهد طوال الوقت أن نصل للكمال بالعمل بالوصايا التي علمها ، وليس تحويلها الى تعليمات تنفذ بشكل حرفي ، وخاصة الظاهر منها للعيان حتى يثبت بها البعض صلاحهم بالمقارنة بالآخرين ، ويستغلون ذلك الصلاح الظاهري في إستحقاقيتهم دون غيرهم في بعض الإمتيازات ، بالضبط كما كان الكهنة والكتبة والفريسيون يفعلون في حياة يسوع.

ويتضح من الموعظة على الجبل ان كل التعاليم التي وردت فيها شديدة المثالية بالفعل ، من منا قد يدر خده الآخر إلى من لطمه كل مرة؟! إن حدث ونفذ شعب تلك الوصية لأفناه أعداؤه ومحوا ذكره. القديس أبو سيفين ، أو مرقوريوس كما تعرفه الكنائس الغربية ، كان ضابطًا رومانيًا ذو مرتبة عالية ، صد إحدى غارات القبائل الجرمانية ، حمل سيفه وحارب ولم يدر خده لأعدائه ولم يحبهم كما تنص الوصية ثم أعلن كونه مسيحيًا أمام الامبراطور ما تسبب في إعدامه..
وأبو سيفين هو القديس الذي تحمل كنيسة إمبابة المحترقة إسمه ، التي إستمر كاهنها في الصلاة أثناء الحريق ربما عن إعتقاد خاطيء ان عليه الاستمرار فيها ، وان إستمراره في الصلاة قد يطفيء الحريق مثلاً ، ولكنه بوضوح وضع السبت قبل الانسان لا الإنسان قبل السبت بخلاف ما كان يُعلّم يسوع ، وتناسى أيضاً ان الصلاة الأفضل هي صلاة الفرد وحده خلف باب مغلق كما أوصى يسوع في نفس الموعظة على الجبل. وبنفس المنطق المعوج نعى بعض الأقباط الضحايا بقولهم "يا بختهم" حتى حولوا الحادث الى سباق رخيص لإظهار صلاحهم الزائف فوق جثث إخوتهم المحترقة ، بدلاً من إستغلال الموقف لمحاسبة المسؤولين عن إهمال أنظمة الإطفاء في الأماكن الدينية ، أو حتى محاسبة الدولة على تقييد بناء الكنائس مما أدى لذلك الإكتظاظ ، وتغليب الجلسات العرفية على قوانين الدولة الحديثة التي قد نجح محمد علي في تجاوزها وحسمها قبل قرنين.

منذ أسابيع مُنعت من الدخول من الباب الخارجي لإحدى الكنائس لأني ألبس  "شورت" وهو أمر منافٍ لتعليمات كاهن الكنيسة على حسب تعبير موظف الأمن ، الذي طلب مني عدم الدخول حتى لا أتسبب في معاقبته ، وأبطال ذلك المشهد العبثي: الكاهن والموظف وأنا نتبع عقيدة أرساها يسوع الذي كان يوبخ الكهنة على تمسكهم بالمظهر ، ويقبل أن يجلس ليتحدث مع العاهرات عندما يأتين إليه ، ويقبل دعوة العشارين ، حتى أن كاتب الانجيل الذي نقرأ فيه الموعظة على الجبل كان عشارًا وغاب كل ذلك عنا ونحن ننشغل بحماية تماسك المجتمع بالتمسك ببعض المظاهر على حساب صلب العقيدة.

يتمسك قادة الكنيسة الآن بالقيود المفروضة على الطلاق ، تطبيقًا حرفيًا لتعليم يسوع في الموعظة على الجبل أيضًا ، بالضبط كما فعل سمعان الخراز ، والقيود المفروضة على طلاق المسيحيين في مصر ليست مجرد قيودًا دينية ، أي يعاني من يخالفها رفض مجتمعه الكنسي ، ولكن تمتد القيود للجانب القانوني والرسمي في تقسيم للسلطة على الأقباط بين الكنيسة والدولة ، أي لا مخرج للطلاق إلا من خلال الكنيسة. وتبيع الكنيسة صك طلاق لمن تراه يستحقه في شكل إيصال تبرع إجباري في نهاية الأمر لطالبيه وهي نظير شهادة ينبغي تقديمها للمحكمة لإقرار الطلاق رسميًا! وتلك الشهادة تصدر عن راهب تدرج في الرتب الكنسية ، وليس خفي على أحد ان الرهبان لم يمروا بخبرة الزواج. وليس خفي على أحد أيضًا تمدد سلطتهم حتى تشمل زواج الأفراد وطلاقهم ، وهم من يفترض بهم أن يكونوا نساكًا زاهدين في الأساس ، صاروا قضاة يحكمون ويتحكمون في حياة الأفراد بقوة السلطة المقتسمة مع الدولة ، وصاروا سبباً في شقاء الناس أو سعادتهم!
والواقع ان منع الطلاق ، ومعها إجازة أكل لحم الخنازير مثلا من ملامح المجتمعات المسيحية ، وفيه ترجمة لفلسفتها وقت ظهورها ، تفرقها مظهرياً عن المجتمع اليهودي الذي خرجت منه ، وهي ضرورة إجتماعية وسياسية لبناء المجتمع للمرة الأولى لكنها ليست صلب العقيدة والتي نحتاج لضبطها
بأن نضع لها حراساً بصولجان سلطة.

يحكي التراث القبطي أيضًا عما يسمى بشجرة الطاعة ، وحسب الرواية أن أحد الرهبان أعطى لتلميذه عصاً يابساً ليزرعه ، ظل التلميذ يسقي العود اليابس لسنوات حتى كبرت الشجرة وأثمرت ، وسميت بشجرة الطاعة وثمرها بثمر الطاعة ، وهذه الدرجة من الطاعة التي تبشر بها القصة قد تعد فضيلة في مجتمع الرهبان المغلق ، ولكنها لا تعتبر فضيلة بمعايير عالمنا والعصر الذي نعيش فيه ، بل ربما كان من الأفضل أن يستغل التلميذ وقته في شيء مفيد على أن يضيع سنوات من عمره يسقي عوداً يابساً ، ولكانت ثمار الشك والتفكير أفضل وأكثر من ثمار الطاعة العمياء ، وكان التلميذ المفكر أفضل لنفسه ومجتمعه من التلميذ المطيع.

لا أغفل بالطبع أهمية المجتمع وتماسكه ، وأشارك الجميع إرثه ونصيب الأجداد من بناءه وحفظه ، ولكن عندما نبتعد كثيرًا عن صلب الأفكار التي بنيت عليها العقيدة لصالح تماسك المجتمع فإننا نخاطر بإنهيار وتبدد كل شيء ، وهنا يجب علينا جميعاً مراجعة ما نفعل بأنفسنا ، بالتفكير لا بالاعتماد على الآراء الجاهزة ، رغم ان الاحتكام لآراء المجموع وخاصة عندما يؤيدها رأس المجموعة الدينية وهو من المفترض أن يكون راهباً أو كاهناً يعطي شعوراً بإرضاء المجموعة وضماناً للوجود في وسطها وبالتالي إحساساً أعمق بالأمان والإطمئنان ، وبالتبعية يصبح صاحب الرأي المختلف - ولو كان على صواب - عدواً لأنه يهدد ذلك الشعور الجمعي بالإطمئنان ، ذلك الشعور الذي يجب علينا مقاومته لإصلاح العوار القائم ، ربما نحمي الأجيال القادمة من الموت حرقاً وهم يبحثون عن الإطمئنان في الكنائس ، أو نحمي الأزواج غير السعداء من حكم مؤبد عليهم بالشقاء عقاباً على إختيار خاطيء ، ربما تدرك الأجيال القادمة ان الدين قد أُوجد من أجل الإنسان لا الإنسان من أجل  الدين ، وان عشاراً أو سامرياً كانوا أفضل من الكاهن حسب يسوع ، وأن الله لا يسعد بشقاءنا ، ولا يُسر بقلع العيون!

السبت، 8 يناير 2022

يسوع الذي ربما لم تلحظه



قبل عشرين قرن وُلد إنسان لأسرة فقيرة في شعب فقير مُحتل ، عاش حياة عادية حتى بلغ الثلاثين ، وفي بضع سنوات من دعوته زلزل أركان المجتمع الذي يعيش فيه ، وامتد تأثيره عبر تلاميذه إلى العالم كله حتى تبعه إمبراطور روما ذاته بعدها بثلاثة قرون وإنتسب له مثل الملايين حتى الآن.
لكن ماذا فعل يسوع بالضبط؟! كان لمجتمع اليهود الذي عاش فيه يسوع شأن كل المجتمعات بعض الأنماط الثابتة التي كان يعيش عليها الناس ويعتمدون عليها في تقييم الأشياء والأشخاص ، تلك الأنماط يبني الأفراد عليها حياتهم واتزانهم النفسي ويستخدمونها في التخلص من مخاوفهم وتلبية احتياجاتهم ومع تطور أهمية تلك الأنماط في حياة الناس يبدأ الناس في حمايتها دون أن يعرفوا السبب الحقيقي وراء ذلك ، بمعنى إنهم يهاجمون بضراوة أي تعدٍ على تلك الأنماط حتى إن كان هينًا أو غير منطقيّ لكنه يتعارض بأي شكل مع الصور الثابتة التي إعتادوا عليها ، وخاصة إذا كانوا من المستفيدين من تلك الأنماط ، أو دفعوا ثمن خضوعهم لها وينتظرون الإستمتاع بنتائجها، أو ببساطة يرفضون إستمتاع الآخرين بالنتائج دون دفع نفس الثمن ، تخيل كاهنًا أو فريسيًا متدينًا قضى أغلب سنوات عمره في قالب يقتضي الكثير من التحكم في النفس والالتزام بمظهر وسلوك محدد ، ونجح في ذلك الى حد كبير وكسب إحترام المجتمع الذي يؤمن بتلك الأنماط ، وبناء على تلك الأنماط أيضًا ينبذ عاهرة (امرأة خاطئة حسب تعبير الكتاب المقدس) تتكسب من مخالفة تلك الأنماط ، وينبذ أيضًا عشارًا (وهو من يجمع الضرائب من الشعب لصالح الرومان). وهذه هي الأنماط التي استخدمها الناس في تقييم بعضهم في المجتمع الذي عاش فيه يسوع ، وليس خفيّ على أحد انها تتشابه بشدة مع أنماطنا الحالية في مصر على سبيل المثال.
لما بدأ دعوته ، كسر يسوع كل الأنماط السائدة ، فهاجم الكهنة والفريسيين وهزم كل محاولاتهم في مجادلته استنادا على أنماطهم "المقدسة" وقبل هدية المرأة الخاطئة وجلس مع العشارين ، حتى أن متى كاتب أول الأناجيل كان عشارًا ، جالس الفقراء واتخذ منهم تلاميذه ، لم يتبع الأنماط الثابتة التي تعكس الصلاح وكان صالحًا ، لم يستغل يسوع تابعيه وهم كثر للدفاع عنه ضد الجنود الذين أتوا ليقبضوا عليه ، لم يترك أورشليم ويذهب بأتباعه لمدينة أخرى ليقود تمردًا ضد سلطة الرومان وسلطة كهنة اليهود مثل أدبيات أخرى عديدة ، ولم يستغل أتباعه من الأغنياء في تقوية سلطته ، بل تجاهل تمامًا القوة والمال والسلطة بما يخالف كل المفاهيم المعتادة ، ثم طمأن الضعفاء الذين يفتقرون للمال والقوة ، وكان يحبهم ويفضلهم على عكس المتوقع استنادًا للأنماط السائدة.
فرغ يسوع المفاهيم من مضامينها ، أي ليس بالضرورة أن يكون الكاهن صالحًا ، والساقطة سيئة ، وأسقط أهمية القوة ، ومفهوم قومية اليهود ، قلل أهمية المال ، وأعلى قيمة الإنسان وان كان فقيرًا و ضعيفًا فوق الأنماط المقدسة واثبتها في جدله مع الفريسيين عندما قال " جُعل السبت لأجل الإنسان ، لا الإنسان لأجل السبت".
لذلك صُلب المسيح ، لأن مجتمعه لم يحتمل أن تكسر أنماطه التى يستند عليها ، فكان إختيارهم أن يوقفوه لكن دعوته لم تقف حتى تمكن السياسيون من تطويعها فيما بعد وتحويل دعوته لأنماط سائدة مرة أخرى.
نحتفل بميلاد يسوع ، المتمرد الفقير الأعظم الذي تحدى كل السلطات لصالح جوهر الصلاح ، وضرب لنا أمثلة لا تحصى في كيفية تغيير مجتمعه دون أن يرفع سيفا ، والذي إن عاد من جديد وبدأ دعوته في المجتمع وتحدى أنماطه لكان مكانه بالتأكيد أحد سجونه!

السبت، 2 فبراير 2019

Revenche




Moi, Je ne suis qu’un pauvre ouvrier qui cherche à assouvir ses besoins, parfois tu me croises dans la rue en s’asseyant sur le trottoir avec un marteau et un burin à côté de mes semblables pour être trouvé par quelque embaucheur. Malheureusement ce genre de travail ne dure pas longtemps, ça pourrait être juste quelques heures, et sans doute on n’est pas bien payé à cause du grand nombre, et on risque d’avoir des problèmes sanitaires à cause de la nature du travail.

Il était déjà 10:45 du matin, et avec le temps, la probabilité d’être embauché diminue. Ça me rend plus en plus nerveux à cause du besoin. Lorsqu’une voiture noire a reculé en passant par nous, ça nous rend attentifs. Quand la vitre de la voiture est baissée, on était tous devant ce monsieur prestigieux qui restait dans sa chaise pour choisir un seul ouvrier entre nous. Pour le rend plus difficile et sortir le plus gagnant de cet accord, il nous a dit : «celui qui a une perceuse, serais mon choix».

Je suis monté dans la voiture avec la perceuse, pas la mienne sans doute. Elle était à vendre à l’occasion, et il suffisait de dire à sa propriétaire que je la montrerais à quelqu’un. J’aurais fait n’importe quoi pour gagner ce jour.
La mission était dans un magasin quasi prêt pour être inauguré, mais ils sont manquées la dernière couche de peinture, et les étagères pour lesquelles j’aurais fait des trous avec la perceuse. J’ai démarré le travail selon les ordres de monsieur le propriétaire qui est monté à son appartement, et quand j’étais au bout de finir, il est descendu, vraiment en colère.
Je n’aurais jamais imaginé finir comme ça, j’aurais pu être un diplômé plutôt qu’un ouvrier chômeur qui a l’air d’un clochard si les circonstances avaient été plus stables, et Je n’aurais jamais l’apparence qui a incité ce propriétaire de m’humilier à ce point. Pour un trou mal placé parmi une trentaine, j’ai été qualifié d’un idiot, bête comme un âne, et je dois réparer ce trou, sinon je risque de perdre d’argent.
Oppressé, brisé, furieux, j’allais pour acheter de mastic pour réparer ce  trou de merde, mais j’ai aperçu quelque chose de plus intéressant. Je l’ai ramené, et avec le compresseur du peintre, j’ai rempli tous les trous j’avais déjà fait par la perceuse dans les colonnes de béton de ce matériel.

Je suis sorti de l’immeuble, et j’ai allumé une cigarette en face de l’immeuble propriété et habité par cette sale personne qui possède l’immeuble. Franchement c’est très chic cet immeuble avec ses vastes balcons, et sa décoration unique, autant que le magasin qui aurait être inauguré au bout de 3 jours, dont  les trous ne sont plus destinés aux étagères, ils sont déjà remplis d’une substance dont le volume augmentera énormément après quelques minutes. Il est écrit sur le pot « mortier expansif pour démolition non-explosif ». Grâce à ce pot l’idiot qu’il en a marre, attend en fumant prendre sa revanche.

الثلاثاء، 9 فبراير 2016

القاهرة بين دياب وشاهين






تجولت كاميرا مخرج كليب عمرو دياب الجديد (القاهرة) بين شرفات فنادق المدينة الفاخرة المطلة على النيل تنقل المشهد الجميل - بحق - أمام عيون الجميع  من الأعلى حيث يراها من هم مرتفعين عن الأرض ، يظن فريق العمل إنه يقدم خدمة للوطن بهذه الطريقة ، دعمًا للسياحة ، أو ردًا لجميل المدينة ، أو حتى تذكيرًا لمن نسوا الجانب الجميل للقاهرة وإن تآكل وصار أصغر من أن تلحظه العين وسط القبح.

قبل خمسة و عشرين عامًا ، كان يوسف شاهين يصور فيلمًا عن القاهرة ، وقتها لم تكن مشكلات العاصمة بنفس حجمها ، وكان جانبها الجميل أكثر طغيانًا على القبح فيها ، أبرز شاهين نفس مشهد النيل من الأعلى ، من  شرفة مكتبه على خلفية حديث لنفسه بالفرنسية عن كيفية حبه للقاهرة ، وعندما وصل لنتيجة ان حبه للأحجار بلا قيمه دون سكانها ، قرب شاهين الصورة خلف الأبراج الفاخرة حيث الأحياء العشوائية المستترة خلفها ، وعرض في 20 دقيقة مشاهد لسكان القاهرة ، تناول فيها مشكلاتهم في جمع مذهل ، قبل أن تتفاقم لتصل إلى الحالة التي نعيشها الآن ، أورد شاهين كل ما نعانيه حاليًا قبل ربع قرن في مشاهد قصيرة صادمة ، أورد البطالة ، سوء التعليم ، الفقر المدقع و الغنى الفاحش ، البناء على الأراضي الزراعية ، الهجرة للمدن ، الفوضى المرورية ، الجماعات الجهادية ، التدين الظاهري ، التحرش والسياحة الجنسية ، المشاحنات الطائفية ، إنهيار الأخلاق والمباديء ، عمالة الأطفال ، قضية إزالة مثلث ماسبيرو.


كانت ردود الأفعال عنيفة ، إنسحب أعضاء الوفد المصري الحاضر لمهرجان كان بعد عرض الفيلم ، ويُقال أن وحيد حامد إشتبك مع يوسف شاهين بالأيدي بعد العرض ، ومن الإعلام وُجهت لشاهين إنتقادات حادة ، أرجعها البعض لمؤامرة يهودية مستتره خلف تمويل فرنسي ،  وكتب أحد النقاد "ان فيلم شاهين الذي يطوف به هذا المعتوه بين عواصم أوروبا بحثاً عن جائزة حقيرة يؤكد أنه في حاجة إلى دخول عيادة نفسية تعالج ما حاك في أعماقه من خراب." بحسب ما كتب إبراهيم حاج عبدي في الحياه اللندنية في 11 فبراير 2010.

غنى أشهر الفنانين لبلدانهم ، صنعوا أفلامًا عن مدنهم ، كل تلك الأعمال الفنية صنعت مجد البلدان والمدن ، لأنها صنعت بصدق دون توجيه أوغرض دعائي ، صنعت بإجتهاد و إخلاص ، ليست مجرد "سلق بيض" كأغانينا وأفلامنا الدعائية ، التي تخرج للحياة محكوم عليها بالموت ، لست معترضًا بالتأكيد على الأغاني الوطنية ، وأحب أن أسمع أغنيات تتغزل في باقيات القاهرة الجميلة بإعتبارها عاصمة بلادي في النهاية ، لكن تلك الأخيرة لم أستطع مجرد تصديقها.






لكني أصدق كلمات شاهين ، أصدق فيلمه عن القاهرة ، أصدق حبه لأهلها ، أرى صرخته العنيفة لإنعاش المريض المصري ، بلا فائدة ، تمنيت أن أعود للماضي لأرد إعتباره و أحكي عن مصر بعد خمسة و عشرين عامًا و هي تعاني الأمرّين بسبب منطق محاسبة المتسبب في معرفة العالم بالحقيقة السيئة بدلاً من محاسبة المتسبب في الحقيقة نفسها ، أحكي لهم عن الوضع البائس الذي نعيشه و أحذرهم. ولماذا أحذر السابقين إن كان خلفاؤهم يسيرون على نفس طريقهم؟! 


الموضوعية مفقودة في مصر ، والحقيقة ضائعة ، لذا وسط تلك المنظومة التي تهوى دفن الحقيقة و تضليلها ، يبقى الإختيار الأفضل هو نشر السلبيات قدر المستطاع ، حتى تشكل وسيلة ضغط على من يعتبرون أنفسهم أشباه آلهة ، لا نستر على خطأ ، ماذا صنع بنا الستر ، لا تصدق من يقولون سمعة مصر ، سمعة مصر من سمعتنا ، و سمعتنا في الحضيض بالفعل ، ربما حان الوقت لطريقة تعاطٍ جديدة مع مشكلاتنا.







الاثنين، 2 نوفمبر 2015

ارفضوا


انتبهت مؤخرًا الى مشهد من مسرحية ألابندا التي ضمت كل نجوم الساحة الآن في بداياتهم وكانت اسهامًا قويًا في مسيرتهم ومن اخراج احد اهم اساطين المسرح المصري سمير العصفوري ، المشهد يضم محمد هنيدي و ماجدة زكي ، تنطق فيه ماجدة بأحقر "إفيه" عنصري سمعته في تاريخ مشاهدتي للسينما والمسرح المصري.
يُعرِّف فيه محمد هنيدي شابًا أسمر طويل القامة بإعتباره أخيه فتجيبه ماجده "يعني امك مخلفاه ولا مصطاداه!"
"الافيه" يستمد حقارته من بناءه على ميراث عفن من العنصرية ، كأنه قيل قبل قرنين في العالم الجديد ، وصمة عارعلى جبين كل من شارك في المسرحية ، وياللأسف ضحك الجمهور.



 

شجع نجاح المجموعة  في الأبندا انتاج  اول بطولة لجيلهم في "صعيدي في الجامعة الأمريكية " الذي حقق اعلى ايرادات في تاريخ السينما في ذلك الوقت ، معهم سعيد حامد الذي أخرج هذا الفيلم في ثاني تجاربه بعد فيلم "الحب في الثلاجة" الذي لم ينجح جماهيريًا ، ضم "صعيدي في الجامعة الأمريكية" افيهات عنصرية أيضًا لكنها لم تكن بنفس الحدة عندما وجه خطابه للفتاة السمراء.
-"بتطفي النور ليه ما انتي مضلمة خلقة."
المثير في الأمر ان سعيد حامد نفسه أسمر اللون ، وحسب تعبير فيلمه مضلم خلقة!
وضحك الجمهور أيضًا.

والواقع ان صعيدي في الجامعة الأمريكية هو كليشيه عنصري من كليشيهات النجاح الجماهيري في السوق المصري ، ويقصد به تكرار نفس الأفكار بإستمرار حتى تصير مبتذلة ، والكليشيه هنا في المزج بين الصعيدي أو القروي والمجتمع المتمدن المحتك بالعالم الخارجي ، مفتاح يتيح للكاتب سرد مواقف تجتذب ضحك الجمهور تسفيهًا من الصعيدي في مظهره و حديثه ، لجأ هنيدي لهذا الكليشيه مؤخرًا في "رمضان مبروك" و "مسيو رمضان" ، ليستعيد نجاحه ، كما صنع منه أحمد مكي سلسلة "الكبير" ، التي تعج بالعنصرية والطبقية ، قال الصعيدي لزوجته "قوليلي يا بيبي" ولازال الجمهور يضحك.

يمكن بسهولة رصد افلام اخرى كثيرة تستخدم نفس الكليشيه ، أو إفيهات عنصرية أخرى في إتجاهات مختلفة ، لكن هل الفن في هذه الحالة يؤثر في الجمهور أو يتأثر به؟ تجاريًا السينما تلبي رغبة جمهورها ، ولا يمكن لوم العاملين في الصناعة على ذلك ،و لكن هذا لا ينفي ان هناك افلامًا قد تسببت في تغيير على ارض الواقع مثل أريد حلاً في  مصر و روزيتا في بلجيكا مثلاً.

تكرار نفس الافكار في الأفلام نتيجة طبيعية للإستسهال ، توليفه مضمونة النجاح ، سهلة التنفيذ ، وطالما لازالت تحقق المكاسب ، اذن هي قابلة للتكرار ، لكن استسهال تحقيق النجاح الجماهيري أوصلنا لنقطة قاتمة أخرى ، تجاوز السينما في السخرية العنصرية من بعض افراد المجتمع اوعرض سلوكيات شاذة مداعبة الرواسب لدى مشاهديها بهدف جذبهم تسبب في تشجيع الأفراد على تلك الممارسات أكثر فأكثر ، مما أدى بنا لتفشي ظواهر العنصرية و التحرش في المعاملات اليومية في الشارع المصري.

لكن ما الحل؟ طالما كنت ضد سلطة المنع الأبوية ، لا أثق بها ، وأعتقد ان مفاسدها أكثر من منافعها ، وأرى الحل في إنتقال سلطة الرقابة من شخص مفرد إلى المجتمع ككل ، علينا أن نرفض تلك الممارسات ، نرفض ضحكًا مستترًا خلف سخرية عنصرية ، نرفض بطولةً بنيت من سلوكياتٍ شاذة ، نرفض تكرار هذه السلوكيات ممن حولنا في الحياة العامة ، الرفض مؤثر ، الرفض ينفي الإجماع ما يضعف موقف المخطيء ، الرفض الآن ضرورة ، سلاح في مواجهة أمراض المجتمع ، حماية لنا و لأبناءنا ، أرفضوا.

الأربعاء، 12 أغسطس 2015

خمسة أسباب لتفشي التدين المظهري في مجتمعنا المنكوب




الشعور بالأفضلية

معروف دايما ان البشر عندهم رغبة في التميز عن بعضهم ، كل واحد فينا ليه شوية مقاييس بيرتب بيهم الناس ، مين أحسن من مين؟ المجتمع برضه عنده مقاييسه حتى لو غلط في رأيك بس هي واقع ، وأكيد المنافسة بين الناس في المجتمع على الأفضل بتبقى صعبة وشرسة و لا نهائية ، نتيجة ده بيظهر نوع الناس اللي بتستسهل ، بيبنوا شعورهم بالأفضلية على أساس حاجات محدش ليه ايد فيها ، زي البشرة البيضاء ، الحياة في مكان معين ، والحاجات اللي بتقلب بعنصرية دي.
من أسهل الطرق اللي ممكن واحد يشعر فيها بأفضلية بمجهود قليل هو التدين ، لو الفروق طفيفة بين الناس ، الموضوع بيعتمد بشكل كبير على المظهر، على شوية قراية ، ومجموعة من التعبيرات اللفظية تحل محل كلامك ، على تغيير طفيف في الرأي عشان تكون وجهة نظر مختلفة ، ولو عندك شوية كاريزما ممكن توصل قمة الهرم.
لذاذة الطريقة دي انها نسبية مش مطلقة ، بمعنى انك لو افضليتك انك دكتور شاطر، فإنت بتجيب نتايج ملموسة مع الناس فبيحسوا بأفضليتك ، انما الطريقة دي أي حاجة فيها بتجيب نتيجة ، حتى لو عكيت ، عادي ملحوقة.

الحظ ، واسطة من ربنا.

دي معجونة فينا من واحنا اطفال بسبب التربية ، الطريقة السهلة في التنشئة اللي تطلع العيال شبه أهاليهم و خلاص مش يطلعوا كويسين مثلا ، هي بتضمن السيطرة على الطفل لحد ما يكبر بس بتدمر الأساس نفسه ، الشعور بأفضليتك عند الخالق لمجرد انك بتعمل شوية حاجات كأنك بتشيله بيها جمايل ومستني انها تترد لك في أقرب فرصة ، و لو محصلش تفضل تسأل نفسك ليه و تدخل في تنظيرات تبرر للخالق انه ازاي موقفش جنبك في الموقف ده رغم انك احسن من المنافس بتاعك.
المرحلة المتطورة من الحالة دي ممكن تحول الانسان لمجرم ، ممكن يعتبر اللي مش بيعملوا اللي هو بيعمله ميستحقوش الحياة أصلا ، وانه مكلف بقتلهم زي الدواعش كده.

البحث عن الزواج.

مع انغلاق المجتمع ، وتقفيله كل السكك على الحياة الطبيعية المختلطة ، وفهمه الغريب للحرية ، اقتصرت العلاقات في الأغلب على الجواز بس ، وحتى التعارف اقتصر عل مجتمعات "اللي عايزين يتجوزوا"، والاختيار بيتم فيها على معايير مجتمعنا برضه بكل مشاكله زي الطبقية  والمظهر المتدين ، الإحتفاظ بالمظهر المتدين ضرورة للجواز عشان تدخل المجتمع المتدين اللي هو سوق الجواز، وبعدين عشان تحظى بفرص أفضل في القبول و خاصة بالنسبة للبنات ، بيبقى الكل مضطر يتظاهر بالتدين ، وده بيسبب فشل كتير من العلاقات بعد كده.

أوساط الإجماع.

"كل المصريين بيحبوا يلبدوا في الدرة" رئيس قسم في جامعة مصرية قاللي الجملة دي مرة في خلاف ، بغض النظر عن كل الأبعاد التانية الجملة نظريًا فيها قدر من الصحة ، الوجود في وسط ناس كتير بيدي طمأنينة ، مين فينا جسمه مكنش بيقشعر لما يبقى في وسط جموع كبيرة بتهتف بنفس الكلام اللي بيهتف بيه ، هتافات وطنية أو دينية ، الزحمة بتطمن إنك محمي ، وإنك على حق ، على العكس لو حكمت عقلك و عارضت المجموع بتفقد الأحاسيس دي و ده مش سهل مع أغلب الناس.

علاقات العمل.

مشرف : "كل سواقين الأوناش الكبيرة بيبقوا شيوخ يا باشمهندس ، أصل صاحب الونش هيأتمن مين على معدة غالية بالشكل ده"
انا : "خلاص ، أنا أركب دقن."
عشان المجتمع مش مفعل فيه القانون ، أي واحد ممكن يسرقك من غير ما تعرف تاخد حقك منه ، بالإضافة للسطحية المعجونة فينا ، ده إتسبب في ان صاحب المظهر المتدين هو بالتأكيد هيبقى آمن أكثر من غيره ، حتى بعد فضايح السعد والريان مثلا ، ممكن المؤمن يلدغ من نفس الجحر مرة و اتنين و عشرة ، طول ما الجحر مركب دقن.


الاثنين، 15 ديسمبر 2014

السبوبة

فوضى البناء في مصر وصلت لحد الجنون فعلا ، عدم التخطيط و العشوائية دي هترجع مجتمعاتنا للعصور الوسطى بدون مبالغة  ، وخصوصًا في الإسكندرية ، لازم تعرف ان كل ساكن زيادة لازم يبقى معمول حسابه وليه نصيب في سعة المنطقة من الميه والكهرباء والصرف و النقل ، كل ساكن زيادة بيعمل خلل في منظومة شايلة نفسها بالعافية أصلا ، و هتنهار فوق دماغنا لو استسلمنا لجشع حلف المقاولين و موظفي المحليات ، لازم تتحول جريمة لا تسقط بالتقادم ، لازم يدفع المقاول دم قلبة تعويض للدولة عن تهالك كل شبكات المرافق و حاجتها لمبالغ كبيرة عشان تتجدد ، لازم كل محافظ ساوم على القانون يتجاب ويتحاسب ، مش هنناشد حد ، كلهم المسؤولين عن الوحلة اللي احنا فيها دي ، محدش فيهم ليه عازة أصلا.

ناخد الإبراهيمية كمثال :

هنتكلم عن حتة كلها مساكن ، من سور كلية هندسة لسور نادي سبورتنج ، ومن شارع ابو قير للترام ، الحتة دي مساحتها حوالي 0.6 كم مربع.



مثلاً نقول ان 50% من المساحة دي للسكان فعلا والباقي خدمات وطرق ، يبقى المساحة حوالي 0.3 كم مربع ، اللي هي 300000 متر مربع ، ممكن نقسمها ل 250 عمارة كل عمارة 1200 متر مربع : 250*1200=300000
يبقى عدد السكان في الحتة دي تقريبًا= 250عمارة *6 شقق(كل واحدة 200 متر)*4 أفراد (متوسط) *4 أدوار (المفروض يحصل) = 24000 واحد.
كده الكثافة السكانية المفروضة في الابراهيمية = 24000/0.6=  40000 فرد/ كم مربع 
طبعا ده رقم مخيف ، ده يساوي تقريبًا الكثافة السكانية في منهاتن في نيويورك ، بس اللي بيسهل الموضوع في الابراهيمية انها محاطة بكليات ومدارس من ناحية ومن ناحية بالنادي فلو اتقسم السكان على المساحة دي كلها بيدي رقم أقل ، ونقدر نقول دي القدرة التصميمية للمكان ومش هيستوعب اكتر من كدة.

لكن الأزمة ان محدش ملتزم بالأربع أدوار ، طب تعالوا نجرب نزود دور في كل العمارات نشوف هيزيد كام واحد.
الأفراد الزيادة = 250عمارة*1 دور*4 أفراد = 1000 فرد.
1000 فرد زيادة في كل تصريح بدور أعلى في الإبراهيمية.
الفرد  في القدرة التصميمية لشبكة الصرف مثلا نصيبة 200 لتر صرف في اليوم ، يعني كده شبكة الصرف من الإبراهيمية لمحطات المعالجة للمصبات المفروض تزيد بسعة 1000*200= 200000 لتر زيادة
ونفترض برضه ان ال 250 دور عندهم 200 عربية فده يحتاج ان الطرق توسع ويضاف ليها = 200*3م*4م = 2400 متر مربع زيادة في الطرق ، بين انهم يلاقوا مكان يركنوا ويتحركوا.
وزيها الميه ، و شبكات المحمول ... الخ الخ

الفكرة ان العادي بقى 13 دور ، يعني اضرب الحِسبة دي كلها مش في دور ، في 9 أدوار زيادة ، وفجأة تظهر المشكلة ، ونطالب الدولة بالحل ، ونبوس على إيد الناس اللي كانوا بيتساهلوا مع المقاولين وبياخدوا منهم رشاوي انهم يصدقوا بإيديهم النجسة على إعتمادات توسعة شبكة الصرف ، بدل ما ناخد دماغهم نحطها في المجاري اللي طافحة ، اللي ريحة فسادهم بقت أسوأ من ريحتها ، انقذوا نفسكم.

الأربعاء، 6 أغسطس 2014

الأركان العلوية الأربعة ج3







الجزء الأول
الجزء الثاني


إقتادوني الى محل قديم يجلس في آخره رجل مسن ، لم ألتفت إليه ، وصرخت موجهًا حديثي لمن يمسكون بي "لن أترككم يا حثالة!"
"أتركوه." قال المسن.
تركوني وظللت واقفًا محتضنًا الساعة كما أمسكوني ، أنظر حولي ، المحل مجلد بخشب داكن اللون مهتريء الحالة ، تنتشر عليه الساعات و صور مسيحية مختلفة ، مكتب تقبع أدراجه تحت ألواح زجاجية تكشف ما يحتويها من ساعات ، وعليها تلفزيون صغير أحمر اللون له هوائيان ، يجلس من خلفه المسن موجهًا حديثه إليَّ.

المسن: "من أنت؟ ومن أين أتيت بتلك الساعة؟"
أنا: "وما شأنك؟"
المسن: "الساعة التي تحمل هي لسيدة تسكن في القريب ، سأبلغها بسرقتك."
أنا: "أنا أسكن لدى السيدة مارجريت ، وكنت أحاول إصلاح الساعة لأهديها لها."

نظر المسن إليَّ مدققًا لوهلة ، كأنه يختبر صدقي ، ثم وقف وأخرج الجميع من المحل بعد أن وجه لهم الشكر ، في تلك الأثناء وقعت عيني على ساعة معلقة  تشبه الساعة التي أحملها بالضبط لكن بدون السن المدبب والترس الخلفي الكبير ، وقف المقدس جورج بجانب ساعته حيث تستقر عيناي ، وقال : " ليست ساعة حائط ، في الأساس هي ساعة خاصة بالأماكن العمومية كرصيف القطار أو الميادين لذا ترى جودة صناعتها ومتانتها من الداخل ، جلبها جيوفانيني ، الإيطالي الذي كان يسكن لدي مارجريت ، والده كان متخصصًا في ساعات الأماكن العامة ، أهداني الثانية لما إستطعت أن أدخل له التعديل الذي طلب على الساعة التي في يدك ، لم أفهم السبب ، لكنه طلب أن أغير له أماكن التروس و إضافة ترس كبير بدلاً من المجموعة الخاصة بتحديد التاريخ ، عذرًا يا بني للجلبة التي حدثت ، لكنك مررت عليّ و في يدك ساعة أعدت تصنيعها بيدي ، ولن تمتد لها يد غيري ، كان يجب أن أوقفك ، أعطني الساعة وسأصلحها كما فعلت مع جيوفانيني قبل سنوات."

لم أشعر بالغضب تجاه حيلته! الأهم أن لغز الساعة سوف يُحل ، تركتها من يدي للمقدس جورج عندما حاول أخذها وبدأ إصلاحها ، جلست أشرب القهوة التي طلبها لأجلي ، كنت أتابع الأحداث في رأسي منذ أن أتيت للشقة ، لازالت صناديقي وحقائبي مغلقة ، لم أنجز أي شيء في المهمة التي أتيت من أجلها ، لكن الفضول يقتلني ، من جيوفانيني؟ و لمن التماثيل ، ولماذا يضع ساعة في نجفة! ، لم أجد إجابة لذلك من المقدس جورج لما سألته ، نمت البارحة ساعتين بالكاد ، أعاني صداعًا قاسيًا ، لكن الشغف أكبر.

لم يطل إصلاح الساعة وأخذتها في يدي عائدًا ، هاتفت بكر وطلبت منه أن يأتيني الشقة ، ركبت الساعة بسهولة ، مع فتح المصباح يسقط ظل السن المدبب على السقف ، كأنه عقرب لساعة كبيرة هي السقف بكامله ، جاء بكر ، وضعت في يده خمسين جنيهًا.
بكر : يا الله ، لم تجد الكاميرا فقط.
أنا : أريد أن أعرف كل شيء عن جيوفانيني هذا والشقة العجيبة تلك.
بكر : قبل أي شيء عرفت من الساكن السابق انه عليك الإنتظار ل 23 سبتمبر حتى تضع الساعة.
أنا : قبل الساعة ، أود أن أعرف كل شيء عن جيوفانيني.
بكر : لا أعرف أكثر من كونه فنانًا إيطاليًا كان يعيش هنا ، والبعض كانوا يلمحون عن علاقة بينه وبين رزقة.
أنا : أين متعلقاته ؟
بكر : قد تكون هنا أو بالغرفة السفلية في مدخل البيت.
أنا : إبحث أنت بالأسفل ، وسأهتم أنا بما تحويه الشقة.


خرج بكر وبدأت أنا في البحث ، أي ورقة ، صورة ، أي شيء قد يفيد في فك لغز جيوفانيني ، تحدث بكر عن علاقة بينه وبين رزقة ، ربما تكون هي صاحبة الصورة في النيجاتيف ، و ربما أن تكون السمراء صاحبة المنحوتة التي تحمل السنابل ، ربما لا تعرف بوجود التمثال ، لا أستطيع أن أخمن شكلها وهي شابه لكي أقارن ، وهذا يعني وجود ثلاث نساء أخريات ، ما قصتهم؟ ، ماذا كان مصير جيوفانيني؟ وما دلالة الساعة في النجفة؟ والظل الواقع على السقف؟ وما قصة الساكن السابق؟ ولماذا 23 سبتمبر؟ مهلاً هذا يعني أن للساكن السابق محاولات لفك اللغز أيضًا ، ماذا حدث له؟
صوت طرقات على الباب ، لابد أن بكر وجد شيئًا مثيرًا ، إنتفضت أفتح الباب ، وجدت الجميع ، عابد و رزقة تستند إليها السيدة مارجريت وبكر واقفًا في الخلف.
ذهلت من الصدمة ، الآن عرف الجميع أني وجدت التماثيل ، والساعة والكاميرا ، رأت رزقة تمثالها ، لا أجد كلامًا لأقول.

أجلست رزقة السيدة مارجريت على الكرسي القريب ، ضحكت مارجريت ضحكة ساخرة وبدأت في الحديث " إرتبنا من بحث بكر في الغرفة السفلية ، فعرفنا منه كل ما حدث ، ماذا أفعل لهذه الشقة؟ لم يكمل يومه الثاني بعد ، ووجد كل شيء ، لم يعد في مصر كلها من ينظر للفن و الإهتمام بالتفاصيل بنظرة غير الريبة ، لم يعد يصدق أن أحدًا يبذل مجهودًا بلا طائل مادي ، حتى من يفترض كونهم فنانين ، كل ما ترى صنعه جيوفانيني ليعرف أين يضع سريره! ترى أركان الغرفة الأربعة الفضاء ، هذا يجعلها توفر ركنًا دافئًا في البرد ، هناك بجوار الغرفة الصغيرة ، وركنًا مقابلاً لطيفًا في الصيف تحت النافذة ، فكان جيوفانيني يغير موقعه على أساسه ، التماثيل الأربعة تمثل فصول السنة الأربعة ، وهي منحوتات شهيرة ويوجد منها نسخة في حدائق أنطونيادس بالإسكندرية ، حاملة العنب تمثل الخريف ، وصاحبة السنابل هي الصيف ، والمتغطية بالرداء هي الشتاء والممسكة بالزهور تمثل الربيع ، و يوجد خطأ في تركيب الساعة بالتأكيد ، تركيب الساعة لابد أن يكون في سنة غير كبيسة وفي أيام بدايات الفصول ، ترسها الخارجي من 365 سن كأيام السنة ما يجعل المصباح يدور حول السن المدبب دورة كاملة كل سنة ، ظل السن المدبب لابد أن يشير بالقرب من صاحبة السنابل لأننا في فصل الصيف ، إذًا فالمكان الأفضل للجلوس في هذا الوقت هو أسفل التمثال.
أضطررنا لإخفاء كل تلك التفاصيل لما ظن ساكن سابق ان جيوفانيني كان ساحرًا و المكان مسكون ، لكن فن جيوفانيني كان يصرخ خلف الحواجز ، لأن عمل كهذا لا يصح أن يتوارى على الإطلاق."

شعرت بالصدمة ، بالخواء ، إحمر وجهي وجحظت عيناي ، زاد ضغط الدم ، وتوحش الصداع كطرقات شواكيش ، أحسست بأني لم أنم منذ قرن ، تجولت عيناي بين أعمال جيوفانيني ، نزل الجميع وتركوني على حالتي ، نقلت السرير تحت حاملة السنابل ، و نمت.








الثلاثاء، 5 أغسطس 2014

الأركان العلوية الأربعة ج2




الجزء الأول
الجزء الثالث

لم تمض بضع ساعات حتى كانت الأقماع في أركان الغرفة الاربعة قد أُزيلت تمامًا لتكشف عن تماثيل نصفية عارية لأربع نساء متبايني الملامح كل منهن تأتي بفعلٍ مختلف ، فالأولى رقيقة أوروبية الملامح  تمسك بزهور بين راحتيها تستعد لتنفخ فيها بفمها الصغير لتنتشر في الغرفة ، وأخرى ذات شعر مموج وعيون واسعة وأثداء مشدودة ، تبدو نظراتها في غاية الشهوانية و هي تلتقط بفمها ثمرة عنب من عنقود تمسكه ، و الثالثة لها ملامح حادة ، ونظرة جافة توحي بالقوة ، تمسك رداءً تغطي به كتفيها ، أما الأخيرة فإفريقية الملامح ، تنظر بكثير من الحب للسنابل التي تحملها ، التي عليّ أن أجد وسيلة لألصقها الآن.

نمت ساعتين فقط رغم إرهاق الليلة الماضية ، لم أستطع الإنتظار طويلاً تاركًا التمثال المكسور على حالته.
تجولت في المنطقة للمرة الأولى ، لم أبتعد كثيرًا لأجد محلاً قد يبيع لي اللاصق.
أنا : أبحث عن لاصق قوي من فضلك.
البائع : ماذا ستلصق به؟ لدي لاصق للبلاستيك ولاصق للمعادن.
أنا : حسنًا أعطني لاصق المعادن.
تذكرت إني رأيت لاصق المعادن يستخدم لدينا في المنزل قبلاً ، أتمنى أن يفي بالغرض.

أخذت اللاصق وإستدرت لأجد بكر خلفي ، بكر هو أحد أبناء عم عابد ، يبلغ حوالي سبعة عشر عامًا ، طويل ونحيف ذو بشرة سمراء ، حاول التلميح لي من قبل إنه يسهل كل شيء ويقضي كل المهام ، بعد أن إشترى شيئًا لم أتبينه قال لي : أراك قد وجدت الكاميرا بسرعة.
أنا : أي كاميرا؟!
بكر : إعلم أولاً إني في صفك ، و ها أنا أبدي حسن النية ، الكاميرا التي وجدت أعلى السلم تحتاج بعض الصيانة قبل لصقها ، وهذه الورقة بها رقم هاتفي.

تركني مذهولاً وذهب.

بجوار باب الشقة يوجد سلم ضيق يقود لسطح المبنى ، وجدت في آخره بالفعل أشياء ملقاه منها كاميرا "زينيت" سليمة المتن لكن عدستها مفصولة و مكسورة من الداخل ، وساعة حائط كبيرة فقدت غطاءها الخلفي ما عرض تروسها للأتربة.
نزلت بهما الى الشقة ، إنتهيت من لصق الجزء المكسور من التمثال ، ثم صنعت بعض القهوة ، ولففت سيجارة وجلست أنظر للكاميرا ، كان والدي يملك واحدة مثلها ، صناعة سوفيتية ، لابد انها سقطت من إرتفاع حتى تنكسر ، ليست ذات أهمية كبيرة لي ، سوى إمكانية إصلاحها وبيعها ، أما الساعة فشديدة الغرابة ، يخرج من وسطها بين القارب سن مدبب ، تروسها كبيرة ومشحمة ، أكبرهم ترس بكامل إستدارتها من الخلف ، يوجد على إطارها الخارجي آثار لحام ، ربما تباع هي الأخرى ، البعض يلقي ما لا يدرك قيمته.

بعد لصق التمثال صرت جاهزًا للبدء في التدريب ، أخرجت من حقيبتي النوت الموسيقية ، يكفيني ما أضعت من الوقت ، بعض الإيقاعات الجديدة تحتاج ساعات من التدريب المستمر ، تذكرت شيئًا ، أمسكت الكاميرا ، بدأت أعبث بها ، لا أذكر كيفية فتحها ، حاولت حتى تمكنت الوصول لقلبها ، كنت صائبًا ، يوجد بها نيجاتيف لم يكتمل إستخدامه ، فتحت النافذة ورفعته لمستوى نظري لأتبين الصور الموجودة عليه ، ثلاث صور ، الأولى لرجل يقف في وسط حديقة يها تماثيل ، والثانية لنفس الرجل ومعه على ما يبدو إمرأة عارية داكنة البشرة ، والأخيرة للنجفة في الغرفة التي أعيش بها ، بنفس شكلها الحالي لكن مضاف إليها الساعة التي وجدت قبل قليل.

كالعادة لم يترك فضولي فراغًا لأفكر في شيء آخر ، أخذت الساعة و تجولت في الشارع بحثًا عن من يصلحها ، وأنا أعتصر عقلي لأخرج بجدوى تركيب الساعة في نجفة ، وعقاربها لأسفل ، لا يمكنك تبينها إلا إذا نظرت إليها من الأسفل ، مكان غريب لساعة ، بدأ الصداع يضرب من جديد ، قضيت نصف النهار أتجول في الشارع والشمس في أقوى فتراتها ، والتفكير في ما وراء تلك الساعة يكاد يقضي عليّ ، نشط الصداع في رأسي مجددًا ، أكاد أستسلم ، يبدو أنني سأعود لأنام قليلاً وأستكمل البحث فيما بعد.
أحسست بيد تمسك كتفي ، نظرت خلفي لأجد شخصًا يصرخ "أيها اللص" ، صدمت و صرخت فيه بدوري "ماذا تقول أيها المعتوه؟!" رد موجهًا حديثه للمارة "لقد سرق ساعة المقدس جورج.


.... يتبع


  "


الاثنين، 4 أغسطس 2014

الأركان العلوية الأربعة ج1




الصورة من ألبوم Mustafa Elhabashy

الجزء الثاني
الجزء الثالث

أخيرًا أُنجزت المهمة ، وجدت مكانًا مناسبًا للإقامة ، نقلت كل ما إستطعت لأبدأ مرحلة جديدة من الإقامة الطويلة بالقاهرة بخلاف السنوات الثلاث الماضية من الإقامة لفترات قصيرة متقطعة. العثور على هذا الشقة إنجاز بكل المقاييس ، شقة وحيدة في طابقها ، والطابق أسفلها خالٍ من السكان ما يناسب صخب حياة عازف "درامز" يقضي أغلب الليل في العزف والتمرين ، قريبة من أماكن سكن و تسجيل الأصدقاء مما يوفر عناء الإنتقالات ، إيجار بخس بالنظر الى موقعه في قلب مصر الجديدة بميدان الإسماعيلية ، لا يوجد في البيت إلا عائلة عم عابد حارس العقار في الطابق السفلي والسيدة صاحبة البيت وخادمتها رزقة في الطابق الأول ، أحسست معهم جميعًا بمودة حتى العجوز صاحبة البيت التي رأتني على باب شقتها فأومأت لعم عابد موافقة وإستدارت دون أن تنبس ببنت شفة ، وكان بمثابة إمضاءها على عقد الإيجار ، لم يتبق بعد هذه الإيماءه سوى بعض التفاصيل إتفقت عليها مع عم عابد.

أغلقت بابها علىَّ للمرة الأولى ووجدت في أحد أركانها كرسي هزاز قررت إلتقاط أنفاسي عليه ، يبدو حقير الهيئة من بعيد لكنه متين ، مشغول بالصدف في تكوينات سداسية بديعة ، أو ستبدو بديعة بدون تلك الطبقات المتحجرة من الأتربة ، رفعت قدمي على المنضدة الصدفية الصغيرة المشغولة بنفس التكوينات ، وأسلمت رأسي لمسند الرأس وإفتعلت هزة صغيرة محاولاً الإسترخاء قبل عملية تفريغ الحقائب والصناديق التي تتراكم فوق بعضها أمامي ، تظهر في وسط السقف دائرة مزخرفة بنجوم بارزة ، من أطرافها تتدلى ثلاث سلاسل تمسك دائرة حديدية جوفاء معلق فيها دائرة أخرى أقل سمكًا مسننة من الداخل ومثبت عليها من الأسفل قواعد مصابيح مكسورة جميعها عدا واحدة فقط يشع ضوء مصباحها خجلاً بين الأتربة ، وفي أركان السقف الأربعة نهايات مخروطية الشكل تهبط على أربعة أعمدة يظهر ربع دورانها فقط حتى يتوارى في الحائط.

الشقة مقسمة على نحو عجيب ، هي غرفة واحدة واسعة ، وغرفة أخرى ضيقة ، وحمام و مطبخ ، لن أستطع إذًا تركيب الطبول إلا في الغرفة الكبرى ، لكن على أولاً أن أدفع الدولاب في طرف الغرفة بدلًا من وسطها لأحقق الإستغلال الأمثل للمساحة ، لكن كيف أنقله ، وهو ثقيل كحجر سيزيف!
بدأت أفصل أجزاءه عن بعضها ، أزلت أولاً القطع العرضية وبدأت الدفع بلا فائدة ، ففصلت الأبواب أيضًا و دفعت بكل قوتي حتى أحسست بالدماء تندفع في رأسي ، يؤلمني الصداع كنبضات تزداد مع الدفع ، بدأ يتحرك قليلًا وأنا مستمر في الدفع ، وفجأة سمعت صوت كسر ، نظرت فزعًا لأرى جانب الدولاب قد مال ساقطًا على المخروط في جانب الحائط وتركه مكسورًا.

رفعت هذا الجزء اللعين من الدولاب ووضعته جانبًا ، وأخذت أجمع أشلاء المخروط من الأرض ، يا إلهي! أهكذا يسير أول أيامي هنا؟! كيف سأصلحه؟! لابد أن أستعين ببعض الأصدقاء هنا ، ماذا لو لاحظ أحد الكسر الذي فعلت؟! لابد أنهم سمعوا الصوت و سأسمع طرقاتهم الآن.
وجدت شيئًا وسط أجزاء المخروط ، قطعة صغيرة مصنوعة من مادة حجرية ، قطعة من سنبلة قمح ، نظرت الى أعلى ، للجزء المكسور في القمع فوجدته يخفي تحته شيئًا آخر لابد أن تلك السنبلة قطعة منه!


..... يتبع






الثلاثاء، 10 يونيو 2014

جدل







ترتبط لدي ايام الصيف الحارة بالنوم المتقطع ، أُنهي يومي عادة حوالي الخامسة عصرًا فلا أجد مستقرًا بعد الحرارة والغبار وقذارة البشر والأماكن سوى في سرير ، أنام في وضع غريب نسبيًا ، نصفي العلوي على جانبي الأيمن ونصفي السفلي على بطني ، لا يمثل وضعًا محددًا ، ليس جنينيًا ولا على الوجه ، تمامًا كنفسي ، لست أمثل نموذجًا منتشرًا. بالنظر للجانب المشرق يقول صديقي ان وضعي وأنا نائمه شديد الإغراء ، طالما أيقظني لنمارس بعض الحب.


أحبه ، أحب نفسي بين يديه ، أحب الوقت الذي أقضيه معه وبرغم انني أكره المجتمع الذي جمعنا فإنني أتمنى أن نشهر علاقتنا على طريقته ، لا أنكر إنني كثيرًا ما أشعر بالذنب بالرغم من إنني أدعي هجري للعقلية الفاسدة المسيطرة على مجتمعي الرخيص.

كنت نائمة ، إستيقظت على أزيز مروحة السقف الممل وصوت متكلم عبر التلفزيون ، أطلت النظر إلى خالد بجانبي لأستوعب ما يحدث ، حسنًا فاليوم يتسلم السيسي السلطة رسميًا وهذه بروتوكولاتهم الخالية من المضمون.
أحسست بشعاع شمس من النافذة على ساقي ، بدأت أخمن في أي ساعة نحن الآن ثم تذكرت أن الساعة تأخرت ، نظرت لشاشة التلفزيون مجددًا فرأيت طنطاوي ، سألت خالد فأكد لي المعلومة "كل شراميط المرحلة الوسخة ملمومين يحتفلوا"
نظرت لفخذي وشعاع الشمس جعل الخطوط فيه واضحة ، وقفت ، نظرت في المرآة عليها لأتفحصها ببعض الحسرة ‘ أجاب خالد الذي أراه في أقصى يمين المرآة
"إنتي زي القمر على بعضك بتبصي على أيه؟!"
أنا: " خالد ، هو أنا شرموطة؟!"
تنهد خالد وإعتدل في جلسته كفيلسوف اغريقي وقال: "لو أنتي شرموطة يبقى أنا كمان شرموط."
أنا: طب إحنا كده شراميط؟!
خالد: مالك؟ فيه إيه؟!
أنا: مفيش يا أخي رد عليا.
خالد: حاضر بس قوليلي الأول؟ قصدك ايه بشرموطة؟
أنا: شرموطة يا خالد ، رخيصة ، انك عايزني بس عشان واحدة قابلة تنام معاك من غير جواز وإلتزامات ، انك وسخ عشان يوم ما تفكر تتجوز عمرك ما هتتجوزني وكل كلامك ده كذب ، انك بتستغلني!
خالد : اهدي جرالك ايه؟!بالراحة.
لا انتي مش شرموطة طبعًا.
تعالي ناخد الموضوع من الأول ، أنا لو عايز سكس وخلاص هعرف اتصرف فيه بسهولة من غير ما اتشتم واتهزق وعلى الأقل اسمي باجدد عشان مزهقش.
وبعدين مين اللي تصرفه غير أخلاقي سواء ست او راجل؟

 حد بيبيع مشاعره وجسمه عشان الفلوس وانت مش بتعملي كده ، او حد موجه مشاعره وجسمه لأكتر من حد في نفس الوقت ودي خيانة وغش وانتي مش بتعملي ده برضه على حد علمي ، المجتمع عشان ينظم العملية ويقلل النموذجين الغلط عمل شوية بروتوكولات وقواعد قيدت الجواز اكتر من الطبيعي واداها قدسية وقانونية لدرجة انها بقت عراقيل الناس بتغلس على نفسها بيها وبيعايروا بيها بعض.
مش كنتي لسة بتضحكي على البروتوكولات بتاعة السيسي؟! مش كنتي دايمًا بتتكلمي عن التمرد على بركة الخرا اللي احنا عايشين فيها؟! ايه اللي جرالك؟ احنا بنرجع الشيء لأصله ، بنتحرر من القيود المفروضة على الإرتباط والإنفصال ، العقود والأوراق دي عمرها كام سنة أصلاً؟ انتي أشرف ألف مرة من واحدة بتلسن عليكي عشان نفسها تعمل زيك ومش قادرة ، أو واحد نفسه فيكي ومش طايل ، إحنا عايشين وسط عجزة ماسكين خناجر بيطعنوا بيها فينا عشان يداروا عجزهم ، كلميني عن الناس اللي بيضغطوا عليكي دول؟ صاحبتك هاجر اللي مقاطعاكي ، كلميني عن نجاحها العملي العظيم؟ كلميني عن السعادة العبيطة اللي باينة على وشها في الصور؟ قوليلي كام مرة دخلتي على امك لقيتيها بتعيط كل ما ابوكي يعمل فيها فصل بايخ.
 اللي مضايقينك دول هم اللي شراميط وقحابي بيجيبوا اللي فيهم فيكي.
إنتي صح ، إجمدي.

أكره ضعفي ، لم أكن أواجهه أثناء الحديث ، كنت أجلس على حافة الفراش ، أمام المرآة أنظر وجهي الشاحب القريب ووجهه المنفعل البعيد خلفي ، أحبس عيون ماء على وشك أن تنفجر من عينيّ ، الأغاني الوطنية مدفوعة الأجر والرقص الهيستيري الذي يبثه التلفزيون يبعث عليّ بالضيق أكثر ، لكني لا أقوى حتى على إطفاءه ، قلت لنفسي اليوم ما قاله لي خالد قبل قليل لكنه لم يكن بالفعالية المطلوبه ، أحتاج لسماع الحديث منه ، ان كان يكذب عليّ فإن نتيجة تصديقي تأتي في صالحه أيضًا ، أعرف ذلك ، لكني لا أستطيع إلا أن أصدقه وأستند عليه.

أُصاب بهذا الإنهيار كل فترة ، بدأت أتعود تكراره كما تعتاد أي أنثى دورتها ، تأتي دائمًا كلمات التشجيع التي أسمعها من رجلي القريب كترياق لجسد سقيم يبدأ بعدها في التعافي حتى يتساقط مجددًا طالبًا لجرعة جديدة ، يومًا ما سأطلب الدعم وسيرد طلبي بحجج واهية ، لابد أن أبدو قوية ، هل أستطع؟

لماذا نوضع تحت كل هذه الأطنان من الضغوط؟ لماذا يبحث عن شقاءنا من يفترض أن يهتموا لراحتنا؟ لم يتلذذ البعض بذل الآخر؟ لماذا تزدوج المباديء والمعايير؟ أي فعل أسود إرتكبت في حياتي السابقة حتى ينتهي بي الحال إلى هنا؟

إقترب خالد مني ، إحتضني من الخلف وأخذ يقبل رأسي وكتفيّ ، أحب توقيتاته جدًا ، لكني أقاومه! وأقاوم نفسي معه ، وهو على مثابرته ، المراسلة من ميدان التحرير تفيد بوجود حالات تحرش فردية لكنها لم تفسد فرحة الشعب برئيسه ، وخالد يثابر ، والشعب يرقص ، ثم ينتقل المشهد لمذيعة الأستوديو لتبرر حادثة التحرش بان الناس "مبسوطين"
أفقد السيطرة ، تنزل دمعة ثقيلة من عيني كقطرة شمع ، أستدير ، أعطي ظهري للتلفزيون وأواجه خالد ، أدفن وجهي في صدره وأمسح دموعي.