الثلاثاء، 5 أغسطس، 2014

الأركان العلوية الأربعة ج2




الجزء الأول
الجزء الثالث

لم تمض بضع ساعات حتى كانت الأقماع في أركان الغرفة الاربعة قد أُزيلت تمامًا لتكشف عن تماثيل نصفية عارية لأربع نساء متبايني الملامح كل منهن تأتي بفعلٍ مختلف ، فالأولى رقيقة أوروبية الملامح  تمسك بزهور بين راحتيها تستعد لتنفخ فيها بفمها الصغير لتنتشر في الغرفة ، وأخرى ذات شعر مموج وعيون واسعة وأثداء مشدودة ، تبدو نظراتها في غاية الشهوانية و هي تلتقط بفمها ثمرة عنب من عنقود تمسكه ، و الثالثة لها ملامح حادة ، ونظرة جافة توحي بالقوة ، تمسك رداءً تغطي به كتفيها ، أما الأخيرة فإفريقية الملامح ، تنظر بكثير من الحب للسنابل التي تحملها ، التي عليّ أن أجد وسيلة لألصقها الآن.

نمت ساعتين فقط رغم إرهاق الليلة الماضية ، لم أستطع الإنتظار طويلاً تاركًا التمثال المكسور على حالته.
تجولت في المنطقة للمرة الأولى ، لم أبتعد كثيرًا لأجد محلاً قد يبيع لي اللاصق.
أنا : أبحث عن لاصق قوي من فضلك.
البائع : ماذا ستلصق به؟ لدي لاصق للبلاستيك ولاصق للمعادن.
أنا : حسنًا أعطني لاصق المعادن.
تذكرت إني رأيت لاصق المعادن يستخدم لدينا في المنزل قبلاً ، أتمنى أن يفي بالغرض.

أخذت اللاصق وإستدرت لأجد بكر خلفي ، بكر هو أحد أبناء عم عابد ، يبلغ حوالي سبعة عشر عامًا ، طويل ونحيف ذو بشرة سمراء ، حاول التلميح لي من قبل إنه يسهل كل شيء ويقضي كل المهام ، بعد أن إشترى شيئًا لم أتبينه قال لي : أراك قد وجدت الكاميرا بسرعة.
أنا : أي كاميرا؟!
بكر : إعلم أولاً إني في صفك ، و ها أنا أبدي حسن النية ، الكاميرا التي وجدت أعلى السلم تحتاج بعض الصيانة قبل لصقها ، وهذه الورقة بها رقم هاتفي.

تركني مذهولاً وذهب.

بجوار باب الشقة يوجد سلم ضيق يقود لسطح المبنى ، وجدت في آخره بالفعل أشياء ملقاه منها كاميرا "زينيت" سليمة المتن لكن عدستها مفصولة و مكسورة من الداخل ، وساعة حائط كبيرة فقدت غطاءها الخلفي ما عرض تروسها للأتربة.
نزلت بهما الى الشقة ، إنتهيت من لصق الجزء المكسور من التمثال ، ثم صنعت بعض القهوة ، ولففت سيجارة وجلست أنظر للكاميرا ، كان والدي يملك واحدة مثلها ، صناعة سوفيتية ، لابد انها سقطت من إرتفاع حتى تنكسر ، ليست ذات أهمية كبيرة لي ، سوى إمكانية إصلاحها وبيعها ، أما الساعة فشديدة الغرابة ، يخرج من وسطها بين القارب سن مدبب ، تروسها كبيرة ومشحمة ، أكبرهم ترس بكامل إستدارتها من الخلف ، يوجد على إطارها الخارجي آثار لحام ، ربما تباع هي الأخرى ، البعض يلقي ما لا يدرك قيمته.

بعد لصق التمثال صرت جاهزًا للبدء في التدريب ، أخرجت من حقيبتي النوت الموسيقية ، يكفيني ما أضعت من الوقت ، بعض الإيقاعات الجديدة تحتاج ساعات من التدريب المستمر ، تذكرت شيئًا ، أمسكت الكاميرا ، بدأت أعبث بها ، لا أذكر كيفية فتحها ، حاولت حتى تمكنت الوصول لقلبها ، كنت صائبًا ، يوجد بها نيجاتيف لم يكتمل إستخدامه ، فتحت النافذة ورفعته لمستوى نظري لأتبين الصور الموجودة عليه ، ثلاث صور ، الأولى لرجل يقف في وسط حديقة يها تماثيل ، والثانية لنفس الرجل ومعه على ما يبدو إمرأة عارية داكنة البشرة ، والأخيرة للنجفة في الغرفة التي أعيش بها ، بنفس شكلها الحالي لكن مضاف إليها الساعة التي وجدت قبل قليل.

كالعادة لم يترك فضولي فراغًا لأفكر في شيء آخر ، أخذت الساعة و تجولت في الشارع بحثًا عن من يصلحها ، وأنا أعتصر عقلي لأخرج بجدوى تركيب الساعة في نجفة ، وعقاربها لأسفل ، لا يمكنك تبينها إلا إذا نظرت إليها من الأسفل ، مكان غريب لساعة ، بدأ الصداع يضرب من جديد ، قضيت نصف النهار أتجول في الشارع والشمس في أقوى فتراتها ، والتفكير في ما وراء تلك الساعة يكاد يقضي عليّ ، نشط الصداع في رأسي مجددًا ، أكاد أستسلم ، يبدو أنني سأعود لأنام قليلاً وأستكمل البحث فيما بعد.
أحسست بيد تمسك كتفي ، نظرت خلفي لأجد شخصًا يصرخ "أيها اللص" ، صدمت و صرخت فيه بدوري "ماذا تقول أيها المعتوه؟!" رد موجهًا حديثه للمارة "لقد سرق ساعة المقدس جورج.


.... يتبع


  "


ليست هناك تعليقات: