السبت، 8 يناير 2022

يسوع الذي ربما لم تلحظه



قبل عشرين قرن وُلد إنسان لأسرة فقيرة في شعب فقير مُحتل ، عاش حياة عادية حتى بلغ الثلاثين ، وفي بضع سنوات من دعوته زلزل أركان المجتمع الذي يعيش فيه ، وامتد تأثيره عبر تلاميذه إلى العالم كله حتى تبعه إمبراطور روما ذاته بعدها بثلاثة قرون وإنتسب له مثل الملايين حتى الآن.
لكن ماذا فعل يسوع بالضبط؟! كان لمجتمع اليهود الذي عاش فيه يسوع شأن كل المجتمعات بعض الأنماط الثابتة التي كان يعيش عليها الناس ويعتمدون عليها في تقييم الأشياء والأشخاص ، تلك الأنماط يبني الأفراد عليها حياتهم واتزانهم النفسي ويستخدمونها في التخلص من مخاوفهم وتلبية احتياجاتهم ومع تطور أهمية تلك الأنماط في حياة الناس يبدأ الناس في حمايتها دون أن يعرفوا السبب الحقيقي وراء ذلك ، بمعنى إنهم يهاجمون بضراوة أي تعدٍ على تلك الأنماط حتى إن كان هينًا أو غير منطقيّ لكنه يتعارض بأي شكل مع الصور الثابتة التي إعتادوا عليها ، وخاصة إذا كانوا من المستفيدين من تلك الأنماط ، أو دفعوا ثمن خضوعهم لها وينتظرون الإستمتاع بنتائجها، أو ببساطة يرفضون إستمتاع الآخرين بالنتائج دون دفع نفس الثمن ، تخيل كاهنًا أو فريسيًا متدينًا قضى أغلب سنوات عمره في قالب يقتضي الكثير من التحكم في النفس والالتزام بمظهر وسلوك محدد ، ونجح في ذلك الى حد كبير وكسب إحترام المجتمع الذي يؤمن بتلك الأنماط ، وبناء على تلك الأنماط أيضًا ينبذ عاهرة (امرأة خاطئة حسب تعبير الكتاب المقدس) تتكسب من مخالفة تلك الأنماط ، وينبذ أيضًا عشارًا (وهو من يجمع الضرائب من الشعب لصالح الرومان). وهذه هي الأنماط التي استخدمها الناس في تقييم بعضهم في المجتمع الذي عاش فيه يسوع ، وليس خفيّ على أحد انها تتشابه بشدة مع أنماطنا الحالية في مصر على سبيل المثال.
لما بدأ دعوته ، كسر يسوع كل الأنماط السائدة ، فهاجم الكهنة والفريسيين وهزم كل محاولاتهم في مجادلته استنادا على أنماطهم "المقدسة" وقبل هدية المرأة الخاطئة وجلس مع العشارين ، حتى أن متى كاتب أول الأناجيل كان عشارًا ، جالس الفقراء واتخذ منهم تلاميذه ، لم يتبع الأنماط الثابتة التي تعكس الصلاح وكان صالحًا ، لم يستغل يسوع تابعيه وهم كثر للدفاع عنه ضد الجنود الذين أتوا ليقبضوا عليه ، لم يترك أورشليم ويذهب بأتباعه لمدينة أخرى ليقود تمردًا ضد سلطة الرومان وسلطة كهنة اليهود مثل أدبيات أخرى عديدة ، ولم يستغل أتباعه من الأغنياء في تقوية سلطته ، بل تجاهل تمامًا القوة والمال والسلطة بما يخالف كل المفاهيم المعتادة ، ثم طمأن الضعفاء الذين يفتقرون للمال والقوة ، وكان يحبهم ويفضلهم على عكس المتوقع استنادًا للأنماط السائدة.
فرغ يسوع المفاهيم من مضامينها ، أي ليس بالضرورة أن يكون الكاهن صالحًا ، والساقطة سيئة ، وأسقط أهمية القوة ، ومفهوم قومية اليهود ، قلل أهمية المال ، وأعلى قيمة الإنسان وان كان فقيرًا و ضعيفًا فوق الأنماط المقدسة واثبتها في جدله مع الفريسيين عندما قال " جُعل السبت لأجل الإنسان ، لا الإنسان لأجل السبت".
لذلك صُلب المسيح ، لأن مجتمعه لم يحتمل أن تكسر أنماطه التى يستند عليها ، فكان إختيارهم أن يوقفوه لكن دعوته لم تقف حتى تمكن السياسيون من تطويعها فيما بعد وتحويل دعوته لأنماط سائدة مرة أخرى.
نحتفل بميلاد يسوع ، المتمرد الفقير الأعظم الذي تحدى كل السلطات لصالح جوهر الصلاح ، وضرب لنا أمثلة لا تحصى في كيفية تغيير مجتمعه دون أن يرفع سيفا ، والذي إن عاد من جديد وبدأ دعوته في المجتمع وتحدى أنماطه لكان مكانه بالتأكيد أحد سجونه!