الثلاثاء، 9 فبراير، 2016

القاهرة بين دياب وشاهين






تجولت كاميرا مخرج كليب عمرو دياب الجديد (القاهرة) بين شرفات فنادق المدينة الفاخرة المطلة على النيل تنقل المشهد الجميل - بحق - أمام عيون الجميع  من الأعلى حيث يراها من هم مرتفعين عن الأرض ، يظن فريق العمل إنه يقدم خدمة للوطن بهذه الطريقة ، دعمًا للسياحة ، أو ردًا لجميل المدينة ، أو حتى تذكيرًا لمن نسوا الجانب الجميل للقاهرة وإن تآكل وصار أصغر من أن تلحظه العين وسط القبح.

قبل خمسة و عشرين عامًا ، كان يوسف شاهين يصور فيلمًا عن القاهرة ، وقتها لم تكن مشكلات العاصمة بنفس حجمها ، وكان جانبها الجميل أكثر طغيانًا على القبح فيها ، أبرز شاهين نفس مشهد النيل من الأعلى ، من  شرفة مكتبه على خلفية حديث لنفسه بالفرنسية عن كيفية حبه للقاهرة ، وعندما وصل لنتيجة ان حبه للأحجار بلا قيمه دون سكانها ، قرب شاهين الصورة خلف الأبراج الفاخرة حيث الأحياء العشوائية المستترة خلفها ، وعرض في 20 دقيقة مشاهد لسكان القاهرة ، تناول فيها مشكلاتهم في جمع مذهل ، قبل أن تتفاقم لتصل إلى الحالة التي نعيشها الآن ، أورد شاهين كل ما نعانيه حاليًا قبل ربع قرن في مشاهد قصيرة صادمة ، أورد البطالة ، سوء التعليم ، الفقر المدقع و الغنى الفاحش ، البناء على الأراضي الزراعية ، الهجرة للمدن ، الفوضى المرورية ، الجماعات الجهادية ، التدين الظاهري ، التحرش والسياحة الجنسية ، المشاحنات الطائفية ، إنهيار الأخلاق والمباديء ، عمالة الأطفال ، قضية إزالة مثلث ماسبيرو.


كانت ردود الأفعال عنيفة ، إنسحب أعضاء الوفد المصري الحاضر لمهرجان كان بعد عرض الفيلم ، ويُقال أن وحيد حامد إشتبك مع يوسف شاهين بالأيدي بعد العرض ، ومن الإعلام وُجهت لشاهين إنتقادات حادة ، أرجعها البعض لمؤامرة يهودية مستتره خلف تمويل فرنسي ،  وكتب أحد النقاد "ان فيلم شاهين الذي يطوف به هذا المعتوه بين عواصم أوروبا بحثاً عن جائزة حقيرة يؤكد أنه في حاجة إلى دخول عيادة نفسية تعالج ما حاك في أعماقه من خراب." بحسب ما كتب إبراهيم حاج عبدي في الحياه اللندنية في 11 فبراير 2010.

غنى أشهر الفنانين لبلدانهم ، صنعوا أفلامًا عن مدنهم ، كل تلك الأعمال الفنية صنعت مجد البلدان والمدن ، لأنها صنعت بصدق دون توجيه أوغرض دعائي ، صنعت بإجتهاد و إخلاص ، ليست مجرد "سلق بيض" كأغانينا وأفلامنا الدعائية ، التي تخرج للحياة محكوم عليها بالموت ، لست معترضًا بالتأكيد على الأغاني الوطنية ، وأحب أن أسمع أغنيات تتغزل في باقيات القاهرة الجميلة بإعتبارها عاصمة بلادي في النهاية ، لكن تلك الأخيرة لم أستطع مجرد تصديقها.






لكني أصدق كلمات شاهين ، أصدق فيلمه عن القاهرة ، أصدق حبه لأهلها ، أرى صرخته العنيفة لإنعاش المريض المصري ، بلا فائدة ، تمنيت أن أعود للماضي لأرد إعتباره و أحكي عن مصر بعد خمسة و عشرين عامًا و هي تعاني الأمرّين بسبب منطق محاسبة المتسبب في معرفة العالم بالحقيقة السيئة بدلاً من محاسبة المتسبب في الحقيقة نفسها ، أحكي لهم عن الوضع البائس الذي نعيشه و أحذرهم. ولماذا أحذر السابقين إن كان خلفاؤهم يسيرون على نفس طريقهم؟! 


الموضوعية مفقودة في مصر ، والحقيقة ضائعة ، لذا وسط تلك المنظومة التي تهوى دفن الحقيقة و تضليلها ، يبقى الإختيار الأفضل هو نشر السلبيات قدر المستطاع ، حتى تشكل وسيلة ضغط على من يعتبرون أنفسهم أشباه آلهة ، لا نستر على خطأ ، ماذا صنع بنا الستر ، لا تصدق من يقولون سمعة مصر ، سمعة مصر من سمعتنا ، و سمعتنا في الحضيض بالفعل ، ربما حان الوقت لطريقة تعاطٍ جديدة مع مشكلاتنا.







الاثنين، 2 نوفمبر، 2015

ارفضوا


انتبهت مؤخرًا الى مشهد من مسرحية ألابندا التي ضمت كل نجوم الساحة الآن في بداياتهم وكانت اسهامًا قويًا في مسيرتهم ومن اخراج احد اهم اساطين المسرح المصري سمير العصفوري ، المشهد يضم محمد هنيدي و ماجدة زكي ، تنطق فيه ماجدة بأحقر "إفيه" عنصري سمعته في تاريخ مشاهدتي للسينما والمسرح المصري.
يُعرِّف فيه محمد هنيدي شابًا أسمر طويل القامة بإعتباره أخيه فتجيبه ماجده "يعني امك مخلفاه ولا مصطاداه!"
"الافيه" يستمد حقارته من بناءه على ميراث عفن من العنصرية ، كأنه قيل قبل قرنين في العالم الجديد ، وصمة عارعلى جبين كل من شارك في المسرحية ، وياللأسف ضحك الجمهور.


 

شجع نجاح المجموعة  في الأبندا انتاج  اول بطولة لجيلهم في "صعيدي في الجامعة الأمريكية " الذي حقق اعلى ايرادات في تاريخ السينما في ذلك الوقت ، معهم وحيد حامد الذي أخرج هذا الفيلم في ثاني تجاربه بعد فيلم "الحب في الثلاجة" الذي لم ينجح جماهيريًا ، ضم "صعيدي في الجامعة الأمريكية" افيهات عنصرية أيضًا لكنها لم تكن بنفس الحدة عندما وجه خطابه للفتاة السمراء.
-"بتطفي النور ليه ما انتي مضلمة خلقة."
المثير في الأمر ان وحيد حامد نفسه أسمر اللون ، وحسب تعبير فيلمه مضلم خلقة!
وضحك الجمهور أيضًا.

والواقع ان صعيدي في الجامعة الأمريكية هو كليشيه عنصري من كليشيهات النجاح الجماهيري في السوق المصري ، ويقصد به تكرار نفس الأفكار بإستمرار حتى تصير مبتذلة ، والكليشيه هنا في المزج بين الصعيدي أو القروي والمجتمع المتمدن المحتك بالعالم الخارجي ، مفتاح يتيح للكاتب سرد مواقف تجتذب ضحك الجمهور تسفيهًا من الصعيدي في مظهره و حديثه ، لجأ هنيدي لهذا الكليشيه مؤخرًا في "رمضان مبروك" و "مسيو رمضان" ، ليستعيد نجاحه ، كما صنع منه أحمد مكي سلسلة "الكبير" ، التي تعج بالعنصرية والطبقية ، قال الصعيدي لزوجته "قوليلي يا بيبي" ولازال الجمهور يضحك.

يمكن بسهولة رصد افلام اخرى كثيرة تستخدم نفس الكليشيه ، أو إفيهات عنصرية أخرى في إتجاهات مختلفة ، لكن هل الفن في هذه الحالة يؤثر في الجمهور أو يتأثر به؟ تجاريًا السينما تلبي رغبة جمهورها ، ولا يمكن لوم العاملين في الصناعة على ذلك ،و لكن هذا لا ينفي ان هناك افلامًا قد تسببت في تغيير على ارض الواقع مثل أريد حلاً في  مصر و روزيتا في بلجيكا مثلاً.

تكرار نفس الافكار في الأفلام نتيجة طبيعية للإستسهال ، توليفه مضمونة النجاح ، سهلة التنفيذ ، وطالما لازالت تحقق المكاسب ، اذن هي قابلة للتكرار ، لكن استسهال تحقيق النجاح الجماهيري أوصلنا لنقطة قاتمة أخرى ، تجاوز السينما في السخرية العنصرية من بعض افراد المجتمع اوعرض سلوكيات شاذة مداعبة الرواسب لدى مشاهديها بهدف جذبهم تسبب في تشجيع الأفراد على تلك الممارسات أكثر فأكثر ، مما أدى بنا لتفشي ظواهر العنصرية و التحرش في المعاملات اليومية في الشارع المصري.

لكن ما الحل؟ طالما كنت ضد سلطة المنع الأبوية ، لا أثق بها ، وأعتقد ان مفاسدها أكثر من منافعها ، وأرى الحل في إنتقال سلطة الرقابة من شخص مفرد إلى المجتمع ككل ، علينا أن نرفض تلك الممارسات ، نرفض ضحكًا مستترًا خلف سخرية عنصرية ، نرفض بطولةً بنيت من سلوكياتٍ شاذة ، نرفض تكرار هذه السلوكيات ممن حولنا في الحياة العامة ، الرفض مؤثر ، الرفض ينفي الإجماع ما يضعف موقف المخطيء ، الرفض الآن ضرورة ، سلاح في مواجهة أمراض المجتمع ، حماية لنا و لأبناءنا ، أرفضوا.

الأربعاء، 12 أغسطس، 2015

خمسة أسباب لتفشي التدين المظهري في مجتمعنا المنكوب




الشعور بالأفضلية

معروف دايما ان البشر عندهم رغبة في التميز عن بعضهم ، كل واحد فينا ليه شوية مقاييس بيرتب بيهم الناس ، مين أحسن من مين؟ المجتمع برضه عنده مقاييسه حتى لو غلط في رأيك بس هي واقع ، وأكيد المنافسة بين الناس في المجتمع على الأفضل بتبقى صعبة وشرسة و لا نهائية ، نتيجة ده بيظهر نوع الناس اللي بتستسهل ، بيبنوا شعورهم بالأفضلية على أساس حاجات محدش ليه ايد فيها ، زي البشرة البيضاء ، الحياة في مكان معين ، والحاجات اللي بتقلب بعنصرية دي.
من أسهل الطرق اللي ممكن واحد يشعر فيها بأفضلية بمجهود قليل هو التدين ، لو الفروق طفيفة بين الناس ، الموضوع بيعتمد بشكل كبير على المظهر، على شوية قراية ، ومجموعة من التعبيرات اللفظية تحل محل كلامك ، على تغيير طفيف في الرأي عشان تكون وجهة نظر مختلفة ، ولو عندك شوية كاريزما ممكن توصل قمة الهرم.
لذاذة الطريقة دي انها نسبية مش مطلقة ، بمعنى انك لو افضليتك انك دكتور شاطر، فإنت بتجيب نتايج ملموسة مع الناس فبيحسوا بأفضليتك ، انما الطريقة دي أي حاجة فيها بتجيب نتيجة ، حتى لو عكيت ، عادي ملحوقة.

الحظ ، واسطة من ربنا.

دي معجونة فينا من واحنا اطفال بسبب التربية ، الطريقة السهلة في التنشئة اللي تطلع العيال شبه أهاليهم و خلاص مش يطلعوا كويسين مثلا ، هي بتضمن السيطرة على الطفل لحد ما يكبر بس بتدمر الأساس نفسه ، الشعور بأفضليتك عند الخالق لمجرد انك بتعمل شوية حاجات كأنك بتشيله بيها جمايل ومستني انها تترد لك في أقرب فرصة ، و لو محصلش تفضل تسأل نفسك ليه و تدخل في تنظيرات تبرر للخالق انه ازاي موقفش جنبك في الموقف ده رغم انك احسن من المنافس بتاعك.
المرحلة المتطورة من الحالة دي ممكن تحول الانسان لمجرم ، ممكن يعتبر اللي مش بيعملوا اللي هو بيعمله ميستحقوش الحياة أصلا ، وانه مكلف بقتلهم زي الدواعش كده.

البحث عن الزواج.

مع انغلاق المجتمع ، وتقفيله كل السكك على الحياة الطبيعية المختلطة ، وفهمه الغريب للحرية ، اقتصرت العلاقات في الأغلب على الجواز بس ، وحتى التعارف اقتصر عل مجتمعات "اللي عايزين يتجوزوا"، والاختيار بيتم فيها على معايير مجتمعنا برضه بكل مشاكله زي الطبقية  والمظهر المتدين ، الإحتفاظ بالمظهر المتدين ضرورة للجواز عشان تدخل المجتمع المتدين اللي هو سوق الجواز، وبعدين عشان تحظى بفرص أفضل في القبول و خاصة بالنسبة للبنات ، بيبقى الكل مضطر يتظاهر بالتدين ، وده بيسبب فشل كتير من العلاقات بعد كده.

أوساط الإجماع.

"كل المصريين بيحبوا يلبدوا في الدرة" رئيس قسم في جامعة مصرية قاللي الجملة دي مرة في خلاف ، بغض النظر عن كل الأبعاد التانية الجملة نظريًا فيها قدر من الصحة ، الوجود في وسط ناس كتير بيدي طمأنينة ، مين فينا جسمه مكنش بيقشعر لما يبقى في وسط جموع كبيرة بتهتف بنفس الكلام اللي بيهتف بيه ، هتافات وطنية أو دينية ، الزحمة بتطمن إنك محمي ، وإنك على حق ، على العكس لو حكمت عقلك و عارضت المجموع بتفقد الأحاسيس دي و ده مش سهل مع أغلب الناس.

علاقات العمل.

مشرف : "كل سواقين الأوناش الكبيرة بيبقوا شيوخ يا باشمهندس ، أصل صاحب الونش هيأتمن مين على معدة غالية بالشكل ده"
انا : "خلاص ، أنا أركب دقن."
عشان المجتمع مش مفعل فيه القانون ، أي واحد ممكن يسرقك من غير ما تعرف تاخد حقك منه ، بالإضافة للسطحية المعجونة فينا ، ده إتسبب في ان صاحب المظهر المتدين هو بالتأكيد هيبقى آمن أكثر من غيره ، حتى بعد فضايح السعد والريان مثلا ، ممكن المؤمن يلدغ من نفس الجحر مرة و اتنين و عشرة ، طول ما الجحر مركب دقن.


الاثنين، 15 ديسمبر، 2014

السبوبة

فوضى البناء في مصر وصلت لحد الجنون فعلا ، عدم التخطيط و العشوائية دي هترجع مجتمعاتنا للعصور الوسطى بدون مبالغة  ، وخصوصًا في الإسكندرية ، لازم تعرف ان كل ساكن زيادة لازم يبقى معمول حسابه وليه نصيب في سعة المنطقة من الميه والكهرباء والصرف و النقل ، كل ساكن زيادة بيعمل خلل في منظومة شايلة نفسها بالعافية أصلا ، و هتنهار فوق دماغنا لو استسلمنا لجشع حلف المقاولين و موظفي المحليات ، لازم تتحول جريمة لا تسقط بالتقادم ، لازم يدفع المقاول دم قلبة تعويض للدولة عن تهالك كل شبكات المرافق و حاجتها لمبالغ كبيرة عشان تتجدد ، لازم كل محافظ ساوم على القانون يتجاب ويتحاسب ، مش هنناشد حد ، كلهم المسؤولين عن الوحلة اللي احنا فيها دي ، محدش فيهم ليه عازة أصلا.

ناخد الإبراهيمية كمثال :

هنتكلم عن حتة كلها مساكن ، من سور كلية هندسة لسور نادي سبورتنج ، ومن شارع ابو قير للترام ، الحتة دي مساحتها حوالي 0.6 كم مربع.



مثلاً نقول ان 50% من المساحة دي للسكان فعلا والباقي خدمات وطرق ، يبقى المساحة حوالي 0.3 كم مربع ، اللي هي 300000 متر مربع ، ممكن نقسمها ل 250 عمارة كل عمارة 1200 متر مربع : 250*1200=300000
يبقى عدد السكان في الحتة دي تقريبًا= 250عمارة *6 شقق(كل واحدة 200 متر)*4 أفراد (متوسط) *4 أدوار (المفروض يحصل) = 24000 واحد.
كده الكثافة السكانية المفروضة في الابراهيمية = 24000/0.6=  40000 فرد/ كم مربع 
طبعا ده رقم مخيف ، ده يساوي تقريبًا الكثافة السكانية في منهاتن في نيويورك ، بس اللي بيسهل الموضوع في الابراهيمية انها محاطة بكليات ومدارس من ناحية ومن ناحية بالنادي فلو اتقسم السكان على المساحة دي كلها بيدي رقم أقل ، ونقدر نقول دي القدرة التصميمية للمكان ومش هيستوعب اكتر من كدة.

لكن الأزمة ان محدش ملتزم بالأربع أدوار ، طب تعالوا نجرب نزود دور في كل العمارات نشوف هيزيد كام واحد.
الأفراد الزيادة = 250عمارة*1 دور*4 أفراد = 1000 فرد.
1000 فرد زيادة في كل تصريح بدور أعلى في الإبراهيمية.
الفرد  في القدرة التصميمية لشبكة الصرف مثلا نصيبة 200 لتر صرف في اليوم ، يعني كده شبكة الصرف من الإبراهيمية لمحطات المعالجة للمصبات المفروض تزيد بسعة 1000*200= 200000 لتر زيادة
ونفترض برضه ان ال 250 دور عندهم 200 عربية فده يحتاج ان الطرق توسع ويضاف ليها = 200*3م*4م = 2400 متر مربع زيادة في الطرق ، بين انهم يلاقوا مكان يركنوا ويتحركوا.
وزيها الميه ، و شبكات المحمول ... الخ الخ

الفكرة ان العادي بقى 13 دور ، يعني اضرب الحِسبة دي كلها مش في دور ، في 9 أدوار زيادة ، وفجأة تظهر المشكلة ، ونطالب الدولة بالحل ، ونبوس على إيد الناس اللي كانوا بيتساهلوا مع المقاولين وبياخدوا منهم رشاوي انهم يصدقوا بإيديهم النجسة على إعتمادات توسعة شبكة الصرف ، بدل ما ناخد دماغهم نحطها في المجاري اللي طافحة ، اللي ريحة فسادهم بقت أسوأ من ريحتها ، انقذوا نفسكم.

الأربعاء، 6 أغسطس، 2014

الأركان العلوية الأربعة ج3







الجزء الأول
الجزء الثاني


إقتادوني الى محل قديم يجلس في آخره رجل مسن ، لم ألتفت إليه ، وصرخت موجهًا حديثي لمن يمسكون بي "لن أترككم يا حثالة!"
"أتركوه." قال المسن.
تركوني وظللت واقفًا محتضنًا الساعة كما أمسكوني ، أنظر حولي ، المحل مجلد بخشب داكن اللون مهتريء الحالة ، تنتشر عليه الساعات و صور مسيحية مختلفة ، مكتب تقبع أدراجه تحت ألواح زجاجية تكشف ما يحتويها من ساعات ، وعليها تلفزيون صغير أحمر اللون له هوائيان ، يجلس من خلفه المسن موجهًا حديثه إليَّ.

المسن: "من أنت؟ ومن أين أتيت بتلك الساعة؟"
أنا: "وما شأنك؟"
المسن: "الساعة التي تحمل هي لسيدة تسكن في القريب ، سأبلغها بسرقتك."
أنا: "أنا أسكن لدى السيدة مارجريت ، وكنت أحاول إصلاح الساعة لأهديها لها."

نظر المسن إليَّ مدققًا لوهلة ، كأنه يختبر صدقي ، ثم وقف وأخرج الجميع من المحل بعد أن وجه لهم الشكر ، في تلك الأثناء وقعت عيني على ساعة معلقة  تشبه الساعة التي أحملها بالضبط لكن بدون السن المدبب والترس الخلفي الكبير ، وقف المقدس جورج بجانب ساعته حيث تستقر عيناي ، وقال : " ليست ساعة حائط ، في الأساس هي ساعة خاصة بالأماكن العمومية كرصيف القطار أو الميادين لذا ترى جودة صناعتها ومتانتها من الداخل ، جلبها جيوفانيني ، الإيطالي الذي كان يسكن لدي مارجريت ، والده كان متخصصًا في ساعات الأماكن العامة ، أهداني الثانية لما إستطعت أن أدخل له التعديل الذي طلب على الساعة التي في يدك ، لم أفهم السبب ، لكنه طلب أن أغير له أماكن التروس و إضافة ترس كبير بدلاً من المجموعة الخاصة بتحديد التاريخ ، عذرًا يا بني للجلبة التي حدثت ، لكنك مررت عليّ و في يدك ساعة أعدت تصنيعها بيدي ، ولن تمتد لها يد غيري ، كان يجب أن أوقفك ، أعطني الساعة وسأصلحها كما فعلت مع جيوفانيني قبل سنوات."

لم أشعر بالغضب تجاه حيلته! الأهم أن لغز الساعة سوف يُحل ، تركتها من يدي للمقدس جورج عندما حاول أخذها وبدأ إصلاحها ، جلست أشرب القهوة التي طلبها لأجلي ، كنت أتابع الأحداث في رأسي منذ أن أتيت للشقة ، لازالت صناديقي وحقائبي مغلقة ، لم أنجز أي شيء في المهمة التي أتيت من أجلها ، لكن الفضول يقتلني ، من جيوفانيني؟ و لمن التماثيل ، ولماذا يضع ساعة في نجفة! ، لم أجد إجابة لذلك من المقدس جورج لما سألته ، نمت البارحة ساعتين بالكاد ، أعاني صداعًا قاسيًا ، لكن الشغف أكبر.

لم يطل إصلاح الساعة وأخذتها في يدي عائدًا ، هاتفت بكر وطلبت منه أن يأتيني الشقة ، ركبت الساعة بسهولة ، مع فتح المصباح يسقط ظل السن المدبب على السقف ، كأنه عقرب لساعة كبيرة هي السقف بكامله ، جاء بكر ، وضعت في يده خمسين جنيهًا.
بكر : يا الله ، لم تجد الكاميرا فقط.
أنا : أريد أن أعرف كل شيء عن جيوفانيني هذا والشقة العجيبة تلك.
بكر : قبل أي شيء عرفت من الساكن السابق انه عليك الإنتظار ل 23 سبتمبر حتى تضع الساعة.
أنا : قبل الساعة ، أود أن أعرف كل شيء عن جيوفانيني.
بكر : لا أعرف أكثر من كونه فنانًا إيطاليًا كان يعيش هنا ، والبعض كانوا يلمحون عن علاقة بينه وبين رزقة.
أنا : أين متعلقاته ؟
بكر : قد تكون هنا أو بالغرفة السفلية في مدخل البيت.
أنا : إبحث أنت بالأسفل ، وسأهتم أنا بما تحويه الشقة.


خرج بكر وبدأت أنا في البحث ، أي ورقة ، صورة ، أي شيء قد يفيد في فك لغز جيوفانيني ، تحدث بكر عن علاقة بينه وبين رزقة ، ربما تكون هي صاحبة الصورة في النيجاتيف ، و ربما أن تكون السمراء صاحبة المنحوتة التي تحمل السنابل ، ربما لا تعرف بوجود التمثال ، لا أستطيع أن أخمن شكلها وهي شابه لكي أقارن ، وهذا يعني وجود ثلاث نساء أخريات ، ما قصتهم؟ ، ماذا كان مصير جيوفانيني؟ وما دلالة الساعة في النجفة؟ والظل الواقع على السقف؟ وما قصة الساكن السابق؟ ولماذا 23 سبتمبر؟ مهلاً هذا يعني أن للساكن السابق محاولات لفك اللغز أيضًا ، ماذا حدث له؟
صوت طرقات على الباب ، لابد أن بكر وجد شيئًا مثيرًا ، إنتفضت أفتح الباب ، وجدت الجميع ، عابد و رزقة تستند إليها السيدة مارجريت وبكر واقفًا في الخلف.
ذهلت من الصدمة ، الآن عرف الجميع أني وجدت التماثيل ، والساعة والكاميرا ، رأت رزقة تمثالها ، لا أجد كلامًا لأقول.

أجلست رزقة السيدة مارجريت على الكرسي القريب ، ضحكت مارجريت ضحكة ساخرة وبدأت في الحديث " إرتبنا من بحث بكر في الغرفة السفلية ، فعرفنا منه كل ما حدث ، ماذا أفعل لهذه الشقة؟ لم يكمل يومه الثاني بعد ، ووجد كل شيء ، لم يعد في مصر كلها من ينظر للفن و الإهتمام بالتفاصيل بنظرة غير الريبة ، لم يعد يصدق أن أحدًا يبذل مجهودًا بلا طائل مادي ، حتى من يفترض كونهم فنانين ، كل ما ترى صنعه جيوفانيني ليعرف أين يضع سريره! ترى أركان الغرفة الأربعة الفضاء ، هذا يجعلها توفر ركنًا دافئًا في البرد ، هناك بجوار الغرفة الصغيرة ، وركنًا مقابلاً لطيفًا في الصيف تحت النافذة ، فكان جيوفانيني يغير موقعه على أساسه ، التماثيل الأربعة تمثل فصول السنة الأربعة ، وهي منحوتات شهيرة ويوجد منها نسخة في حدائق أنطونيادس بالإسكندرية ، حاملة العنب تمثل الخريف ، وصاحبة السنابل هي الصيف ، والمتغطية بالرداء هي الشتاء والممسكة بالزهور تمثل الربيع ، و يوجد خطأ في تركيب الساعة بالتأكيد ، تركيب الساعة لابد أن يكون في سنة غير كبيسة وفي أيام بدايات الفصول ، ترسها الخارجي من 365 سن كأيام السنة ما يجعل المصباح يدور حول السن المدبب دورة كاملة كل سنة ، ظل السن المدبب لابد أن يشير بالقرب من صاحبة السنابل لأننا في فصل الصيف ، إذًا فالمكان الأفضل للجلوس في هذا الوقت هو أسفل التمثال.
أضطررنا لإخفاء كل تلك التفاصيل لما ظن ساكن سابق ان جيوفانيني كان ساحرًا و المكان مسكون ، لكن فن جيوفانيني كان يصرخ خلف الحواجز ، لأن عمل كهذا لا يصح أن يتوارى على الإطلاق."

شعرت بالصدمة ، بالخواء ، إحمر وجهي وجحظت عيناي ، زاد ضغط الدم ، وتوحش الصداع كطرقات شواكيش ، أحسست بأني لم أنم منذ قرن ، تجولت عيناي بين أعمال جيوفانيني ، نزل الجميع وتركوني على حالتي ، نقلت السرير تحت حاملة السنابل ، و نمت.








الثلاثاء، 5 أغسطس، 2014

الأركان العلوية الأربعة ج2




الجزء الأول
الجزء الثالث

لم تمض بضع ساعات حتى كانت الأقماع في أركان الغرفة الاربعة قد أُزيلت تمامًا لتكشف عن تماثيل نصفية عارية لأربع نساء متبايني الملامح كل منهن تأتي بفعلٍ مختلف ، فالأولى رقيقة أوروبية الملامح  تمسك بزهور بين راحتيها تستعد لتنفخ فيها بفمها الصغير لتنتشر في الغرفة ، وأخرى ذات شعر مموج وعيون واسعة وأثداء مشدودة ، تبدو نظراتها في غاية الشهوانية و هي تلتقط بفمها ثمرة عنب من عنقود تمسكه ، و الثالثة لها ملامح حادة ، ونظرة جافة توحي بالقوة ، تمسك رداءً تغطي به كتفيها ، أما الأخيرة فإفريقية الملامح ، تنظر بكثير من الحب للسنابل التي تحملها ، التي عليّ أن أجد وسيلة لألصقها الآن.

نمت ساعتين فقط رغم إرهاق الليلة الماضية ، لم أستطع الإنتظار طويلاً تاركًا التمثال المكسور على حالته.
تجولت في المنطقة للمرة الأولى ، لم أبتعد كثيرًا لأجد محلاً قد يبيع لي اللاصق.
أنا : أبحث عن لاصق قوي من فضلك.
البائع : ماذا ستلصق به؟ لدي لاصق للبلاستيك ولاصق للمعادن.
أنا : حسنًا أعطني لاصق المعادن.
تذكرت إني رأيت لاصق المعادن يستخدم لدينا في المنزل قبلاً ، أتمنى أن يفي بالغرض.

أخذت اللاصق وإستدرت لأجد بكر خلفي ، بكر هو أحد أبناء عم عابد ، يبلغ حوالي سبعة عشر عامًا ، طويل ونحيف ذو بشرة سمراء ، حاول التلميح لي من قبل إنه يسهل كل شيء ويقضي كل المهام ، بعد أن إشترى شيئًا لم أتبينه قال لي : أراك قد وجدت الكاميرا بسرعة.
أنا : أي كاميرا؟!
بكر : إعلم أولاً إني في صفك ، و ها أنا أبدي حسن النية ، الكاميرا التي وجدت أعلى السلم تحتاج بعض الصيانة قبل لصقها ، وهذه الورقة بها رقم هاتفي.

تركني مذهولاً وذهب.

بجوار باب الشقة يوجد سلم ضيق يقود لسطح المبنى ، وجدت في آخره بالفعل أشياء ملقاه منها كاميرا "زينيت" سليمة المتن لكن عدستها مفصولة و مكسورة من الداخل ، وساعة حائط كبيرة فقدت غطاءها الخلفي ما عرض تروسها للأتربة.
نزلت بهما الى الشقة ، إنتهيت من لصق الجزء المكسور من التمثال ، ثم صنعت بعض القهوة ، ولففت سيجارة وجلست أنظر للكاميرا ، كان والدي يملك واحدة مثلها ، صناعة سوفيتية ، لابد انها سقطت من إرتفاع حتى تنكسر ، ليست ذات أهمية كبيرة لي ، سوى إمكانية إصلاحها وبيعها ، أما الساعة فشديدة الغرابة ، يخرج من وسطها بين القارب سن مدبب ، تروسها كبيرة ومشحمة ، أكبرهم ترس بكامل إستدارتها من الخلف ، يوجد على إطارها الخارجي آثار لحام ، ربما تباع هي الأخرى ، البعض يلقي ما لا يدرك قيمته.

بعد لصق التمثال صرت جاهزًا للبدء في التدريب ، أخرجت من حقيبتي النوت الموسيقية ، يكفيني ما أضعت من الوقت ، بعض الإيقاعات الجديدة تحتاج ساعات من التدريب المستمر ، تذكرت شيئًا ، أمسكت الكاميرا ، بدأت أعبث بها ، لا أذكر كيفية فتحها ، حاولت حتى تمكنت الوصول لقلبها ، كنت صائبًا ، يوجد بها نيجاتيف لم يكتمل إستخدامه ، فتحت النافذة ورفعته لمستوى نظري لأتبين الصور الموجودة عليه ، ثلاث صور ، الأولى لرجل يقف في وسط حديقة يها تماثيل ، والثانية لنفس الرجل ومعه على ما يبدو إمرأة عارية داكنة البشرة ، والأخيرة للنجفة في الغرفة التي أعيش بها ، بنفس شكلها الحالي لكن مضاف إليها الساعة التي وجدت قبل قليل.

كالعادة لم يترك فضولي فراغًا لأفكر في شيء آخر ، أخذت الساعة و تجولت في الشارع بحثًا عن من يصلحها ، وأنا أعتصر عقلي لأخرج بجدوى تركيب الساعة في نجفة ، وعقاربها لأسفل ، لا يمكنك تبينها إلا إذا نظرت إليها من الأسفل ، مكان غريب لساعة ، بدأ الصداع يضرب من جديد ، قضيت نصف النهار أتجول في الشارع والشمس في أقوى فتراتها ، والتفكير في ما وراء تلك الساعة يكاد يقضي عليّ ، نشط الصداع في رأسي مجددًا ، أكاد أستسلم ، يبدو أنني سأعود لأنام قليلاً وأستكمل البحث فيما بعد.
أحسست بيد تمسك كتفي ، نظرت خلفي لأجد شخصًا يصرخ "أيها اللص" ، صدمت و صرخت فيه بدوري "ماذا تقول أيها المعتوه؟!" رد موجهًا حديثه للمارة "لقد سرق ساعة المقدس جورج.


.... يتبع


  "


الاثنين، 4 أغسطس، 2014

الأركان العلوية الأربعة ج1




الصورة من ألبوم Mustafa Elhabashy

الجزء الثاني
الجزء الثالث

أخيرًا أُنجزت المهمة ، وجدت مكانًا مناسبًا للإقامة ، نقلت كل ما إستطعت لأبدأ مرحلة جديدة من الإقامة الطويلة بالقاهرة بخلاف السنوات الثلاث الماضية من الإقامة لفترات قصيرة متقطعة. العثور على هذا الشقة إنجاز بكل المقاييس ، شقة وحيدة في طابقها ، والطابق أسفلها خالٍ من السكان ما يناسب صخب حياة عازف "درامز" يقضي أغلب الليل في العزف والتمرين ، قريبة من أماكن سكن و تسجيل الأصدقاء مما يوفر عناء الإنتقالات ، إيجار بخس بالنظر الى موقعه في قلب مصر الجديدة بميدان الإسماعيلية ، لا يوجد في البيت إلا عائلة عم عابد حارس العقار في الطابق السفلي والسيدة صاحبة البيت وخادمتها رزقة في الطابق الأول ، أحسست معهم جميعًا بمودة حتى العجوز صاحبة البيت التي رأتني على باب شقتها فأومأت لعم عابد موافقة وإستدارت دون أن تنبس ببنت شفة ، وكان بمثابة إمضاءها على عقد الإيجار ، لم يتبق بعد هذه الإيماءه سوى بعض التفاصيل إتفقت عليها مع عم عابد.

أغلقت بابها علىَّ للمرة الأولى ووجدت في أحد أركانها كرسي هزاز قررت إلتقاط أنفاسي عليه ، يبدو حقير الهيئة من بعيد لكنه متين ، مشغول بالصدف في تكوينات سداسية بديعة ، أو ستبدو بديعة بدون تلك الطبقات المتحجرة من الأتربة ، رفعت قدمي على المنضدة الصدفية الصغيرة المشغولة بنفس التكوينات ، وأسلمت رأسي لمسند الرأس وإفتعلت هزة صغيرة محاولاً الإسترخاء قبل عملية تفريغ الحقائب والصناديق التي تتراكم فوق بعضها أمامي ، تظهر في وسط السقف دائرة مزخرفة بنجوم بارزة ، من أطرافها تتدلى ثلاث سلاسل تمسك دائرة حديدية جوفاء معلق فيها دائرة أخرى أقل سمكًا مسننة من الداخل ومثبت عليها من الأسفل قواعد مصابيح مكسورة جميعها عدا واحدة فقط يشع ضوء مصباحها خجلاً بين الأتربة ، وفي أركان السقف الأربعة نهايات مخروطية الشكل تهبط على أربعة أعمدة يظهر ربع دورانها فقط حتى يتوارى في الحائط.

الشقة مقسمة على نحو عجيب ، هي غرفة واحدة واسعة ، وغرفة أخرى ضيقة ، وحمام و مطبخ ، لن أستطع إذًا تركيب الطبول إلا في الغرفة الكبرى ، لكن على أولاً أن أدفع الدولاب في طرف الغرفة بدلًا من وسطها لأحقق الإستغلال الأمثل للمساحة ، لكن كيف أنقله ، وهو ثقيل كحجر سيزيف!
بدأت أفصل أجزاءه عن بعضها ، أزلت أولاً القطع العرضية وبدأت الدفع بلا فائدة ، ففصلت الأبواب أيضًا و دفعت بكل قوتي حتى أحسست بالدماء تندفع في رأسي ، يؤلمني الصداع كنبضات تزداد مع الدفع ، بدأ يتحرك قليلًا وأنا مستمر في الدفع ، وفجأة سمعت صوت كسر ، نظرت فزعًا لأرى جانب الدولاب قد مال ساقطًا على المخروط في جانب الحائط وتركه مكسورًا.

رفعت هذا الجزء اللعين من الدولاب ووضعته جانبًا ، وأخذت أجمع أشلاء المخروط من الأرض ، يا إلهي! أهكذا يسير أول أيامي هنا؟! كيف سأصلحه؟! لابد أن أستعين ببعض الأصدقاء هنا ، ماذا لو لاحظ أحد الكسر الذي فعلت؟! لابد أنهم سمعوا الصوت و سأسمع طرقاتهم الآن.
وجدت شيئًا وسط أجزاء المخروط ، قطعة صغيرة مصنوعة من مادة حجرية ، قطعة من سنبلة قمح ، نظرت الى أعلى ، للجزء المكسور في القمع فوجدته يخفي تحته شيئًا آخر لابد أن تلك السنبلة قطعة منه!


..... يتبع