الثلاثاء، 10 أبريل، 2012

تيه



يتوقف التاكسي أمام الكنيسة على بُعد خطوات من بابها حسب التوجيهات الأمنية ، تنزل منه مارينا ، جميلة ، متأنقة ، تبدو في أحسن حالاتها ، يرن هاتفها في حقيبتها خجلاً وسط أصوات آلات التنبيه العالية فتعبث في الحقيبة حتى تجده.
" ألو أيوة يا توتا ، أنا جيت أهو ، السكة كانت زحمة .. عارفة مش هلاقي مكان أمري لله بقى.. باي"


تنتبه مارينا لتجد نفسها لازالت خارج ابواب الكنيسة ، العيون تكاد تفترسها ، تسمع أحاديثا بين مجندين سدت لها اذنيها ، تعدل من وضع الشال على كتفيها و تسرع في خطواتها حتى يختل معدل ضربات حذائها على الأرض.


وصلت أخيرًا لباب الكنيسة ، بين بابي الكنيسة الخارجي والداخلي ساحة تزينت بالألوان والرسومات المبهجة والتهاني متبادلة قطعتها مارينا مبتسمة وارتقت اولى درجات السلم لتدخل الى الكنيسة حتى سمعت صوتا يحدثها.
-"خدي بإيدي يا بنتي."
-"حاضر يا طنط .. كل سنة وانتي طيبة."
مشهد الكنيسة في ذلك اليوم كان فريدًا ، مكتظة بالمصلين حتى فرغت أماكن الجلوس ، وصار على المتأخرين التواجد في تجمعات للواقفين ينظمها شباب الكشافة في الكنيسة ومنهم راجي الذي تقدم للعجوز فور رؤيته لها
-" ازيك يا طنط منورة ... اتفضلي معايا هنجيبلك كرسي."
العجوز: "شكرًا يا حبيبي."
وقبضت على يد مارينا قائلة " تعالي معايا مش هتلاقي مكان."
مارينا: " انتي واسطة يا طنط ولا ايه؟!"
العجوز: " عارفة سيدنا .. يبقى ابني."  وأشارت الى الأسقف الذي يقود الصلاة.


صمتت كلتاهما بعد الجلوس ليصليا ، أغمضت العجوز عينيها في حين اتجهت عيون مارينا تجاه الأسقف في ثيابه البيضاء المزينة بالصلبان المذهبة المخصصة للعيد ، صوته الذي خلق خصيصا للصلاة ، انطباع وجهه أثناء الصلاة ناظرًا لأعلى كأنما يحدث صديق حميم ، لأمه الحق في أن تفخر به ، الشمامسة على يمينه ويساره بلباسهم الأبيض يصلون خاشعين. كلوحة جميلة يتوسطها الأسقف في الهيكل وحوله الشمامسه وخلفهم القديسون في أيقوناتهمم .. يا الله.


أغمضت مارينا عيناها هي الأخرى لتستغرق في الصلاة بعد تلك الطاقة الروحية الهائلة التي غمرتها حتى قطع صوت من الخلف إستغراقها في الصلاة. ، بدا وكأن راجي يمنع أحدهم من الدخول.
-"منتاش داخل الا لما توريني بطاقتك."
-"بطاقة مين يا عم أنت.. أنا داخل أصلي."


التفت الجميع متبرمين من تلك المشادة للخلف ومنهم العجوز التي قالت فور أن رأته.
-"ده صلاح .. تاجر مخدرات وكل حاجة زبالة زيه .. كان سيدنا مصاحبه زمان وهما عيال قبل ما يروح الدير."


تجمع البعض لفض الاشتباك حتى ضمن أحد المصلين ان صلاح مسيحيا فتركه راجي يدخل لكنه ظل قريبا منه تحسبا لأي شيء يبدر منه.


وقف صلاح مع الواقفين في آخر الكنيسة ، وكان الأسقف ينظر بضيق إلى هذه الجلبة الحادثة أثناء الصلاة ، لكنه ما ان رأى صلاح حتى دار بخلده مشاهد حياته ، كيف كان صلاح صديقه؟ وكيف ان أمه أمرته مرارا بتركه لأنه بدأ في التدخين؟ كم صلت له أمه؟ كم دمعت عيناها من أجله حتى ينقذه الله من فساد ذلك العالم؟ بدأ للحظة يتخيل العواقب لو لم يقطع علاقته بصلاح ، وأتجهت أنظاره إلى أمه التي كانت تنظر إليه هي الأخرى مبتسمة كأنها تفكر فيما يفكر ، ليرفع عينيه للسماء شاكرًا الرب لأجل هدايته ولأجل أمه.


خرج صلاح سريعا والكل يرمقونه بأعينهم حتى غادر الكنيسة تمامًا ، وكانت الأفكار لا تزال تحيط بالأسقف حتى ظن مسؤول الصوت بالكنيسة ووجود عطل بميكرفونه فرفع صوته الى أن أطلق صافرة كانت كفيلة بتنبيه الأسقف ، فأستكمل الأسقف صلاته ، ومعه الشمامسة المصلين وكأن شيئًا لم يكن.


تلك الحادثة لم تستغرق وقتًا طويلا ، زمن شرود ، أو إمساكك بتليفون لتقرأ رسالة وصلتك ، ضبط ساعة ، ربط حذاء ، لكنها شديدة الدلالة.


أعترف بأنها ليست قصتي بل هي للمسيح قصها قبل عشرين قرنا من الزمان ، بشخوص عصره وأدواته ، مفضلا صلاح على الأسقف ، كلنا نحفظها عن ظهر قلب وطالما تغنينا بها ونحن صغار تحت اسم العشار والفريسي ووردت في أنجيل لوقا. 




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصورة من ألبوم دي جويا "النزوات" او "los Caprichos"
واسم اللوحة "
tú que no puedes" او "انت يا من لا تستطيع" 

ليست هناك تعليقات: