الخميس، 29 نوفمبر، 2012

Paris .. Je t'aime


 أغلقت الباب ، أطفأت الأنوار ، بحثت عن الموسيقى الهادئة ، مِلت في بحثي لإيقاعات الفالس وصوت الأكورديون ، فتحت النافذة لتدخل البرودة إلى جسدي المضطرب وجلست محتضنًا كوبًا من الكاكاو الساخن.
أظنني الآن قرب حالة صناع فيلم "باريس .. أحبك" وأستطيع الكتابة عنه ، لاسيما أنه من نوعية الأفلام الذي يغافلك برسم إبتسامة عفوية على وجهك طول مدة مشاهدته.
  
يدور الفيلم حول الموضوع الأهم على الإطلاق .. الحب ، وتدور أحداث قصصه الثمانية عشرة في عاصمته باريس. كلٌ من الصناع له في الحب نظرة عرضها وتبارى الجميع في حب مدينة الحب وأحيائها التي توزعت عليها الأحداث وشاركتها الأفلام في أسمائها.

وهنا أعرض أفلامي الخمس المفضلين.
 
 
Bastille - Isabel Coixet
وردت على لسان الراوي الجملة الأجمل في هذا الفيلم "من التظاهر بالمحب صار غارقا في الحب" ، إنتقلت الأحداث بالزوج  الشاعر بفتور علاقته مع زوجته التي تفاجئه بمرضها باللوكيميا قبل أن يفاجئها بخبر الإنفصال ، فيتظاهر بحبها ويحاول إسعادها بقدر إمكانه  ، وعندما تموت يكتشف أنه فقد حبيبة أحبها مرتين وفقدها للأبد.
أسلوب الإخراج بديع يحمل وصفًا روائيا بإمتياز ، بالإضافه لأن ميدان الباستيل الذي دارت به الأحداث من أماكني المفضله.

 
 
Tour Eiffel - Sylvian Chomet
مخرج هذا الفيلم في الأصل مخرجًا لأفلام الكارتون ، ما جعله يقدم صورة شديدة الجاذبية ومغرقة في الخيال ، سحرني في بدايته بمشهد الطفل بحقيبته الضخمه التي توازي عبئه النفسي لأن الأطفال يضربونه ثم يروي قصة أبويه المهرجين وكيف إلتقيا وتحابا وبقيت مسحورًا لنهايته وأعدته مرتين ثم نمت سعيدًا.
 
 

14e Arrondissement - Alexander Payne
الوحدة والإستئناس بالمدينة ، مختصر الحالة البديعة التي خلقها هذا الفيلم ، هي أمريكية  تجاوزت الأربعين ، تتحدث فرنسية ضعيفة  لتعتاد إستخدامها ، تحب باريس وتود أن تكمل فيها حياتها مغالبة لتأخذ الطابع الفرنسي غلافًا لها.
حوار الفيلم بالكامل يصلح للإقتباس .. يُدرَّس ، ينتقل بك من حوار كالدائر في مركز لدراسة اللغة الفرنسية لحديث مع صديق حميم.
وأظنني أحببت هذا الفيلم لأني مررت بتجربة مشابهة ، متسكع وحيد وسط زحام باريس الساحر.
 
 

Place de Victoires - Nobuhiro Suwa
جولييت بينوش! ربما تكون السبب في دخول هذا الفيلم لقائمتي رغم كونه تقليديا بعض الشيء ، وهذا ما كنت أحاول إجتنابه ، لكن جولييت "قطّعت قلبي" وبعدها أعطتني أملًا جديدًا ، أشعرتني بتوحد معها وهي الأم التي فقدت طفلها ، وشعرت بالتوحد أيضًا مع زوجها رغبة في التخفيف عنها ، حتى الإرتياح السعيد بعد أن هدأت خيالاتها من روعها.
 
 
 
Faubourg Saint Denis - Tom Tykwer
فكرة هذا الفيلم طالما أختبرتها وهي بناء إستنتاجات كاملة على فهم خاطيء لأحداث معينة ، يستعيد الشاب الكفيف تاريخه مع فتاته بعدما سمع منها ما أحزنه وإكتفى واضعًا السماعة ، أدار الماضي السعيد والمستقبل البائس بخلده في الثواني التي تعيد فيها الإتصال به لتأخذ رأيه في آدائها لجملتها في فيلمها القادم .. فهي ممثلة.


ويجدر الإشارة


 Parc Monceau - Alfonso Cuaron
 أحببت خدعته ، وهي من الطرق المفضلة لي أيضًا ، هو حوار دائر بين رجل وإمرأة ويتناول رجلًا ثالثًا يقيدها مصعبًا عليها حياتها ، وفجأة تكتشف إنه أب وإبنته وهذا الرجل الثالث هو رضيعها الذي يقيد حياتها والأب ذاهب ليرعى حفيده لإنشغال إبنته.


Quais De Seine - Gurinder Chadha
بإعتباري عربيًا أعيش في مجتمع إسلامي يجدر بي الإشارة لهذا الفيلم. يتناول هذا الفيلم قصة حب ناشئة بين مراهق أوربي ومحجبة مسلمة من أصل عربي ، ويتيح لها حوارها إبداء وجهة النظر الإسلامية من الحجاب ويتضامن الفيلم معها.
وإذا بحثت عن المخرجة وهذا حتمي فهي هندية من طائفة السيخ ، وهي صاحبة فيلم (Bend It Like Beckaham)
وهذا هو الفرق بين المجتمعات الناجحة والفاشلة.

أثار هذا الفيلم غيرة الأمريكيين فقدموا New York .. I Love You

وأثار هذا الفيلم غيرتي أنا أيضًا فحاولت إيجاد سحر القاهرة الذي يتحدثون عنه فلم أجد إلا ضوءًا خجلًا كما تراه في نهاية النفق المظلم ، بكل ما إكتسبت القاهرة من إمكانيات في إفساد أي متعة وحولت وجوه ساكنيها لمسوخ مكفهرة ، ويطرح السؤال الذي هو بيت القصيد ... متـــــى؟؟!



الخميس، 15 نوفمبر، 2012

المحنة


منذ عام بالتمام تعرضت للتجربة الأسوأ في حياتي.
أدعي ان كل مجند لن ينسى يوم ترحيله أبدا مهما قطع في الحياة أشواطًا. 
لن أسهب في الحديث عن التفاصيل لكني لا أعرف كيف ينبغي أن أذكر يوم الترحيل.
الشيء الأسوأ فيه شعور المهانة اللا محدود ، كالصندوق الذي يُضع ، ثم يُنظّم ، ثم يُعد ، فيسلّم لمستحقه. أظنه ليس ببعيد عن شعور عبيد العصور السالفة ، حياة قاسية بتفاصيلها ودعاباتها السافلة التي تناسبها ، التي تظهر كمحاولات تنقية الماء العكر.
منذ عام بالتمام في التاسعة صباحًا تركت سريري ولم أستلم سريري البديل الا في الثانية من صباح اليوم الثالث.
لعن الله الحرب ، والمتحاربين ، ومسببي الحروب.


لكن الحياة تستمر ، ولدى الإنسان دومًا مخزون من القوة يستعمله عند الحاجة ، ومثل كل المحن يكتسب المرء منها ما يعوضه عنها ويعوضه ما يشكو منه العدالة الإلهية.


Itzer Perlman - Love Theme of Ennio Morricone  (Cinema Paradiso soundtrack
)

الجمعة، 9 نوفمبر، 2012

وديد



في تمام التاسعة صباحًا مر سنا الشمس من الشق الضيق الذي أحدثه إرتفاع العمارات الشاهقة ليخترق زجاج غرفة نوم آخر بيوت الشارع القديمة ، ويضيء وجه وديد شحاتة النائم في سريره النحاسي ، فيستيقظ محدثًا صوت الازيز الذي يقلق كل من لم يعتد السرائر النحاسية على ثباته ويزيح الناموسية ، يرتب السرير والأغطية ويضع الوسادة في الوسط ، يرتدي الروب دي شامبر ، يدير قرص الراديو الخشبي بحثا ... " أعزائي عشاق الموسيقى الكلاسيكية نقدم لكم كونشرتو الفيولينة لسيبستيان باخ على سلم مي الكبير .... " ، يحكم اغلاق النافذة خشية ان يختلط صوت المنزل بصوت الخارج ، يدخل الى الحمام ويتحسس ذقنه ، يكسر الموس لشطرين ويضع احدهم على المرآة والآخر في ماكينة الحلاقة ، ويحلق ، يصل للمطبخ يمسك بعلبة السردين المكتوب عليها سهلة الفتح فيقلبها ويدير قرص الفتاحة بعد أن ثبتها ، يأكل ، يتفنن في صناعة قهوته ، تقاطعه طرقات الباب.



الطارق: جاهز يا أستاذ وديد.
وديد: خمس دقايق يا حاج ، اتفضل اقعد.


تابع الطارق وديد بمزيج من التعجب والاشفاق عندما دخل ليغسل الاطباق والأكواب ، حتى بعدما ارتدي بدلته وأخذ مفتاح شقته من على الشماعة بجانب الباب لكن بلغ العجب أقصاه عندما عاد الى الداخل بعد أن كاد يخرج لينقذ اللوحة من ميل بسيط لاحظه.


وديد: اللوحة دي والدي إشتراها من باريس أيام البعثة بميت فرنك.
الطارق: متاخدها معاك.
وديد: لا. أنا سبق وقلتلك شروطي.
الطارق: إطفي الراديو طيب.
وديد: لا سيبه.


كان الشارع متأهبًا لحدث ، تناثرت المعدات والعمال حول البيت كالسياج وحوله سياج آخر من المارة ظل يبحث منه محصل الكهرباء عن ثغرة يتابع منها ويسأل القهوجي الذي وجده بجانبه عما يحدث.


القهوجي: الاستاذ وديد آخر واحد ساب البيت ، بقالهم 5 سنين بيتحايلوا عليه وكان رافض وموافقش الا لما البيت بقى خطر ومعاهوش فلوس ينكسه ، بس الحاج صاحب الارض عرض عليه شقة في العمارة اللي قدامها .. راجل محترم.
المحصل: هو اللي لابس بدله ده؟
القهوجي: أيوة هو ده ، كان المفروض البيت يتهد امبارح بس طلب انه يبات فيه آخر ليلة ، وأصر انه مياخدش العفش من البيت ويسيبه يتهد بيه.
المحصل: حرام .... هو اتجنن ، امال هيفرش الشقة التانية ازاي؟!
القهوجي: لا مش مجنون ، جايز يكون عايز يمحي أي ذكرى انه فرط في البيت ، أو بيعاقب نفسه إنه باعه ، أصله حاسس بالذنب ناحية جده وأبوه ، بس هي الدنيا كدة.


طعنت معدات الهدم متن البيت فسقط على الفور ، ومعه خرج هواء كان وديد قد حبسه في رئتيه ، وإستدار تاركًا المتابعين ومنتظري المكافآت بين الأنقاض لبيعها وصعد الى شقته الجديدة في العمارة المقابلة التي حجبت عنه ضوء الشمس قبل ساعتين. 

Yann Tiersen - J'y suis jamais alle (Amelie soundtrack)