الجمعة، 9 نوفمبر، 2012

وديد



في تمام التاسعة صباحًا مر سنا الشمس من الشق الضيق الذي أحدثه إرتفاع العمارات الشاهقة ليخترق زجاج غرفة نوم آخر بيوت الشارع القديمة ، ويضيء وجه وديد شحاتة النائم في سريره النحاسي ، فيستيقظ محدثًا صوت الازيز الذي يقلق كل من لم يعتد السرائر النحاسية على ثباته ويزيح الناموسية ، يرتب السرير والأغطية ويضع الوسادة في الوسط ، يرتدي الروب دي شامبر ، يدير قرص الراديو الخشبي بحثا ... " أعزائي عشاق الموسيقى الكلاسيكية نقدم لكم كونشرتو الفيولينة لسيبستيان باخ على سلم مي الكبير .... " ، يحكم اغلاق النافذة خشية ان يختلط صوت المنزل بصوت الخارج ، يدخل الى الحمام ويتحسس ذقنه ، يكسر الموس لشطرين ويضع احدهم على المرآة والآخر في ماكينة الحلاقة ، ويحلق ، يصل للمطبخ يمسك بعلبة السردين المكتوب عليها سهلة الفتح فيقلبها ويدير قرص الفتاحة بعد أن ثبتها ، يأكل ، يتفنن في صناعة قهوته ، تقاطعه طرقات الباب.



الطارق: جاهز يا أستاذ وديد.
وديد: خمس دقايق يا حاج ، اتفضل اقعد.


تابع الطارق وديد بمزيج من التعجب والاشفاق عندما دخل ليغسل الاطباق والأكواب ، حتى بعدما ارتدي بدلته وأخذ مفتاح شقته من على الشماعة بجانب الباب لكن بلغ العجب أقصاه عندما عاد الى الداخل بعد أن كاد يخرج لينقذ اللوحة من ميل بسيط لاحظه.


وديد: اللوحة دي والدي إشتراها من باريس أيام البعثة بميت فرنك.
الطارق: متاخدها معاك.
وديد: لا. أنا سبق وقلتلك شروطي.
الطارق: إطفي الراديو طيب.
وديد: لا سيبه.


كان الشارع متأهبًا لحدث ، تناثرت المعدات والعمال حول البيت كالسياج وحوله سياج آخر من المارة ظل يبحث منه محصل الكهرباء عن ثغرة يتابع منها ويسأل القهوجي الذي وجده بجانبه عما يحدث.


القهوجي: الاستاذ وديد آخر واحد ساب البيت ، بقالهم 5 سنين بيتحايلوا عليه وكان رافض وموافقش الا لما البيت بقى خطر ومعاهوش فلوس ينكسه ، بس الحاج صاحب الارض عرض عليه شقة في العمارة اللي قدامها .. راجل محترم.
المحصل: هو اللي لابس بدله ده؟
القهوجي: أيوة هو ده ، كان المفروض البيت يتهد امبارح بس طلب انه يبات فيه آخر ليلة ، وأصر انه مياخدش العفش من البيت ويسيبه يتهد بيه.
المحصل: حرام .... هو اتجنن ، امال هيفرش الشقة التانية ازاي؟!
القهوجي: لا مش مجنون ، جايز يكون عايز يمحي أي ذكرى انه فرط في البيت ، أو بيعاقب نفسه إنه باعه ، أصله حاسس بالذنب ناحية جده وأبوه ، بس هي الدنيا كدة.


طعنت معدات الهدم متن البيت فسقط على الفور ، ومعه خرج هواء كان وديد قد حبسه في رئتيه ، وإستدار تاركًا المتابعين ومنتظري المكافآت بين الأنقاض لبيعها وصعد الى شقته الجديدة في العمارة المقابلة التي حجبت عنه ضوء الشمس قبل ساعتين. 

Yann Tiersen - J'y suis jamais alle (Amelie soundtrack)

هناك تعليقان (2):

Ramy يقول...

ازيك يا أندرو

و اخبارك فى الجيش أيه ؟؟

البوست وجعلى قلبى و انا مش ناقص يا عم

لكن الموسيقى خففت من حدة البوست عندى انا

(:


Andrew Yousef يقول...

تمام يا رامي .. بخير
وآسف على وجع القلب بس هي جت كدة